الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالكوليرا.. وباء يُفتك بالجسد والوطن!

الكوليرا.. وباء يُفتك بالجسد والوطن!

سودان تمورو:

لا يكاد السودانيون يلتقطون أنفاسهم من ويلات الحرب حتى يطاردهم الموت من بابٍ آخر، هذه المرة على هيئة وباء الكوليرا الذي يعصف بالأحياء والقرى، ويتسلل إلى الأجساد المنهكة من الجوع والنزوح والتشريد. بينما تبث الحكومة بياناتها عن نسب تعافٍ مرتفعة، يتكشّف الواقع عن مشاهد موت جماعي في صمت، وسط انعدام الماء النقي، وانهيار البنية الصحية، وتقصير رسمي لا يقل فتكاً عن الوباء ذاته.

ما بين 69 إصابة و6 وفيات في سنار وفقاً لوزارة الصحة، إلى أكثر من 800 وفاة بحسب نقابة الأطباء في الخرطوم وأم درمان وحدهما، تتبدى هوة عميقة بين لغة الأرقام الحكومية ومشاهد العجز في الميدان. الطواقم الطبية تصرخ من نقص المحاليل والكوادر، بينما تروج الجهات الرسمية لبروتوكولات علاجية “ناجحة”. فهل نحن أمام تعافٍ حقيقي أم تجميل إعلامي لأزمة متفاقمة؟ إن التناقض بين الروايتين لا يفسّره إلا شيء واحد.. فشل الدولة في الاعتراف بالحقيقة، دعك من مواجهتها.

الماء الملوث لا يُنتج سوى المرض، والكوليرا ليست سوى الوجه الأوضح لجريمة مزمنة ترتكب بحق الشعب.. جريمة الإهمال. كيف لمواطن أن يقي نفسه من المرض بينما يشرب من أنابيب مشققة تصبّ فيها المجاري، وتغيب عنها الرقابة؟ إن مرضاً كان يُهزم منذ عقود في دول العالم، عاد اليوم ليحصد الأرواح في السودان فقط لأن الحكومة عاجزة. الأمم المتحدة تحذر من مجاعة تهدد 25 مليون سوداني، والمشهد لا يحتاج إلى مزيد من التحليلات.. حرب، جوع، ماء ملوث، ومؤسسات صحية منهارة. هذه ليست أزمة طارئة، بل انهيار تام.

اللافت أن هذا الانهيار لا يُواجَه بخطة وطنية، بل يُستغل كورقة سياسية. من اتهامات قوى المعارضة للحكومة بالتقاعس، إلى محاولات توظيف الأزمة في صراع السلطة، أصبح المرض أداة تفاوض. لكن الكوليرا لا تفرّق بين موالٍ ومعارض، ولن تنتظر نتائج المفاوضات. إن اختزال الوباء في خطاب إعلامي أو ورقة مساومة هو خيانة مضاعفة للضحايا، فالكارثة أكبر من أن تُدار بعقلية البيان الصحفي أو المنابر السياسية.

الشعب السوداني لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات، بل إلى استجابة حقيقية.. إعلان حالة طوارئ صحية، فتح ممرات آمنة لدخول المساعدات، وإطلاق حملات تطهير وتوعية شاملة. لا بد من ضخ الموارد نحو توفير مياه الشرب، دعم مراكز العزل، وتكثيف التوعية في المناطق الموبوءة. بل أكثر من ذلك، لا بد من محاسبة كل من أسهم في هذا الانهيار، سواء بالصمت أو بالتقصير أو بالتلاعب.

إن السودان لا يواجه وباءً فقط، بل يواجه امتحاناً وطنياً وأخلاقياً. إما أن تتحد الجهود لإنقاذ ما تبقى من جسد الوطن، أو نمضي نحو مأساة لا رجعة فيها. ففي كل قطرة ماء ملوثة، وكل مستشفى يفتقر لأبسط المعدات، وكل مسؤول يدفن الحقيقة تحت عباءة السياسة، هناك مأساة تُصنع عمداً.

إذا كان المرض يُقاس بعدد الضحايا، فإن الكارثة تُقاس بصمت المسؤولين. الكوليرا ليست مجرد أزمة صحية، بل صرخة مدوية على لسان وطن يُدفن على قيد الحياة، بينما يتجادل ساسته على أنقاضه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات