سودان تمورو:
بجرة قلم أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً يقضي بمنع مواطني 12 دولة من دخول الولايات المتحدة بينها السودان في خطوة تندرج ضمن سياسات العزلة الجديدة التي تنتهجها واشنطن تحت ذريعة “حماية الأمن القومي”. قرارٌ أثار الكثير من الأسئلة حول طبيعة القوة الأمريكية اليوم.. هل هو تعبير عن هيمنة راسخة أم مؤشّر على تراجع الثقة بالنفس والخوف من الآخر؟.
تحت شعارات مكافحة الإرهاب تواصل أمريكا تقديم نفسها باعتبارها القاضي الأعظم الذي يمنح صكوك البراءة أو يصدر أحكام الحظر في مفارقة صارخة مع ما تدّعيه من احترام لحقوق الإنسان وحرية التنقل. المفارقة الأكبر أن بعض هذه الدول – مثل الصومال وليبيا وأفغانستان – دفعت ثمن تدخلات أمريكية مباشرة تسببت في تمزيق نسيجها الاجتماعي وتفكيك مؤسساتها. واليوم تُحمل هذه الدول نتائج الفوضى التي لم تكن من صناعتها. إنّه منطق المُتسبّب الذي يلوم الضحية ويتبرأ من الحريق الذي أشعله.
قرار ترمب ليس مجرد سياسة داخلية عابرة بل هو امتداد لعقيدة استعلائية تلبس ثوب “الأمن” لكنها في جوهرها سياسة إذلال واستقواء. كيف لعقل عاقل أن يقتنع بأن دولاً مثل إرتريا أو غينيا تشكّل تهديداً على أقوى دولة في العالم؟ إنها عقلية القلعة المحاصرة التي ترى في كل ما هو خارج الأسوار خطراً ينبغي عزلُه لا فهمُه أو التعامل معه بنديّة.
أما السودان فإن ردّه واضح وبسيط.. لسنا في حاجة إلى تأشيرة دخول كي نثبت وجودنا. هذا القرار ليس أكثر من ورقة ضغط بالية لا تخيف شعباً اعتاد الحصار وتجاوزه بإرادة وطنية صلبة. نحن لا نطلب الإذن لبناء دولتنا ولا نقايض سيادتنا ببوابة مطار. من أراد أن يتعامل معنا باحترام فالباب مفتوح؛ أما من اختار لغة الإقصاء فليعلم أن العالم لم يعد أحادي القطب.
الولايات المتحدة لم تعد الوحيدة في الميدان. هناك قوى جديدة تصعد وتقدم شراكات لا تقوم على الوصاية أو العقوبات بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. والسودان رغم ما يمر به من أزمات يملك من العزيمة ما يجعله يختار تحالفاته دون وصاية أو خنوع. لقد ولى زمن الإملاءات ونحن في لحظة مفصلية تتطلب منا بناء داخل متماسك بدلاً من التطلع إلى رضا الخارج.
القرارات الكبرى لا تصنع الهيبة بل العدالة هي من تصنعها. أمريكا التي كسبت العالم يوماً بالثقافة والانفتاح تخسر اليوم رصيدها الأخلاقي بقرارات عنصرية لا تحارب الإرهاب بقدر ما تعيد إنتاجه. أما الشعوب التي تعلمت من الألم وخرجت من الرماد فقرارات الحظر لا توقفها بل تدفعها أكثر نحو الاعتماد على الذات وإعادة رسم مكانتها.
هذا القرار ليس نهاية العالم بل هو فرصة لنتذكر أن من لا يحترمك لا يستحق أن تنتظر منه شيئاً. الشعوب الحرة لا تُخنق بحبر توقيع ولا تُقصى بقرار بل ترد عليه بثباتها وتفرض كرامتها على الطاولة لا على بوابة الهجرة.
