سودان تمورو:
بأشلاء الأطفال لا بخطب الساسة كُشفت الحقيقة التي طالما أراد الغرب دفنها تحت ركام “القيم العالمية” و”الكرامة الإنسانية”. غزة ليست مجرد مأساة إنسانية بل مرآة كاشفة لوجه حضارة تُنفق المليارات على صناعة الموت ثم تدّعي احتكار الأخلاق. حين قررت إسرائيل الاستمرار في حربها الدامية رغم علمها بمقتل عشرات الجنود وضياع فرصة إنقاذ رهائن لم تصرخ العواصم الغربية طلباً للتهدئة بل سارعت لتبرير المجزرة وتزويد القاتل بالمزيد من أدوات القتل. تلك اللحظة لم تكن لحظة عسكرية بقدر ما كانت صفعة مدوية لأكذوبة “الإنسان أولاً”.
الغرب الذي روّج لعقود أنّ كرامة الفرد فوق كل اعتبار سقط أخلاقياً حين ارتفعت كلفة حياة الطفل الفلسطيني إلى أقل من قيمة قذيفة ذكية. لا حديث عن حقوق الإنسان حين تكون الضحية خارج الحدود الجغرافية للعنصر الأبيض ولا صراخ عن حرية الصحافة حين تُستهدف المآذن والكاميرات والمستشفيات في غزة. الإعلام الغربي يمارس أقسى أنواع الانتقائية لا ليخفي الحقيقة بل ليُفرغها من معناها. ولعل أخطر ما كشفت عنه مأساة غزة هو أن الديمقراطيات العريقة حين تتعارض مصالحها مع حياة الأبرياء تختار المصالح وتطلب منّا التصفيق.
نعم يتفوق الغرب في الصناعة والتكنولوجيا لكنه يقبع اليوم في حضيض أخلاقي يُعيدنا إلى منطق الغاب. دول تمتلك أقماراً صناعية لكنها تعجز عن رؤية دماء الأطفال. أنظمة تفتخر بمستوى معيشي عالٍ لكنها لا ترى ضيراً في تمويل القصف ما دام لا يقع في شوارعها. وأمام هذا السقوط المدوي يتبين أن الأخلاق ليست نتاجاً للحداثة بل اختباراً حقيقياً لا تجتازه إلا النفوس التي تؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بجواز سفره بل بدموع أمّه عليه.
رغم كل ما يعانيه العالم العربي والإسلامي من استبداد وتخلف سياسي إلا أنه لا يزال يحتفظ بما فقده الغرب منذ زمن.. الإحساس بالقهر الحياء من الظلم والقدرة على البكاء. مشاهد التشييع في غزة الحناجر التي تصدح باسم الشهداء والصبر المذهل على الجراح ليست ضعفاً بل شهادة حيّة على أن الموازين لم تختل كلها بعد. هنا تُكرّم التضحية وهناك تُكافأ الوحشية.
التاريخ سيكتب الحقيقة مهما لبست من أقنعة. سيكتب أن الغرب صدّر للعالم خُطباً عن السلام ووقع بأسفله عقود توريد سلاح. سيكتب أن الحضارة التي ادّعت التمدّن دعمت إبادة جماعية بالصوت والصورة. سيكتب أن غزة كانت لحظة فاصلة.. سقطت فيها الأقنعة وبقي الدم شاهداً. نعم الغرب خسر معركته الأخلاقية ولن تسترجعها كل جامعاته ولا كتبه. فقد ضحّى بالبشر من أجل المصالح بينما تمسّك أهل غزة بالإنسان حتى وهم يُقتلون.
