سودان تمورو
لم تكن الضربات الإسرائيلية الأولى مجرد هجوم عابر، بل كانت محاولة لفرض معادلة جديدة في الشرق الأوسط، معادلة تُنهي فيها تل أبيب أي تهديد وجودي قد يأتي من طهران. لكن ما بدأ كضربة خاطفة تحوّل إلى حرب استنزاف لم تكن إسرائيل مستعدة لها، حرب كشفت هشاشة التخطيط الإستراتيجي الإسرائيلي أمام صلابة الرد الإيراني.
البداية كانت باختراق المنظومة الرادارية الإيرانية، وهو ما مكّن الطائرات الإسرائيلية من ضرب أهداف عميقة دون مقاومة تذكر. لكن مع حلول الظلام، استعادت إيران زمام المبادرة، أعادت تشغيل دفاعاتها الجوية، وبدأت تسقط الطائرات واحدة تلو الأخرى. لم تكن مجرد معركة تقنية، بل كانت اختباراً لإرادة البقاء.
قبل أن يجفّ حبر التقارير عن الضربات الإسرائيلية، كانت طهران قد أطلقت ردا مدويا. مئة وخمسون صاروخا استهدفت عمق إسرائيل، من مقر وزارة الحرب إلى مفاعل ديمونة النووي، رسالة واضحة.. لا يوجد هدف إسرائيلي بمأمن من القبضة الإيرانية. المسيرات من طراز “آرش” اخترقت سماء تل أبيب، وكأنها تذكير بأن زمن التفوق الجوي الإسرائيلي المطلق قد ولى.
إيران أعلنت استعدادها لحرب تستمر سنوات، وهي تملك ما يكفي من الصواريخ والمسيرات لتحويل إسرائيل إلى ساحة مفتوحة للقصف. الأهم هو التهديد بضرب القواعد الأمريكية إذا تدخلت واشنطن، وهو تصعيد يضع المنطقة على حافة حرب شاملة. بينما تبدو إسرائيل عاجزة عن خوض حرب استنزاف طويلة، خاصة أمام خصم يعرف كيف يحوّل الهزائم التكتيكية إلى انتصارات استراتيجية.
هذه الحرب لم تبدأ اليوم، بل هي امتداد لحرب 2006، حين شعرت إسرائيل أن موازين القوى لم تعد كما كانت. لكن القيادة الإسرائيلية، التي راهنت على تقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكة الجواسيس، ظنت أن الظروف مهيأة لضربة قاضية. ما لم تفهمه هو أن إيران ليست حماس ولا حزب الله، بل دولة قادرة على امتصاص الصدمات والرد بضراوة غير متوقعة.
السيناريو الإسرائيلي كان يعتمد على استسلام إيراني سريع، لكن طهران أجبرتهم على كتابة فصول جديدة في سيناريو لم يتدربوا عليه. الآن، إسرائيل تواجه حربا لم تعد تتحكم بوتيرتها، حرب قد تُغرقها في مستنقع لا قاع له. بينما تقف إيران كطرف يعرف أن هذه المعركة ليست حول الصواريخ والرادارات فقط، بل حول من يملك إرادة البقاء في شرق أوسط لا يرحم الضعفاء.
اللعبة لم تعد بين القوة والضعف، بل بين من يملك الصبر والاستعداد لدفع الثمن الأغلى. وإسرائيل، التي اعتادت حسم معاركها بسرعة، تجد نفسها في مواجهة عدو لا يعرف الاستسلام، بل يعرف كيف يحوّل كل ضربة إلى فرصة للانتقام. الحرب لم تنته بعد، لكن دروسها بدأت تكشف أن القوة الحقيقية ليست في من يضرب أولاً، بل في من يصمد حتى النهاية.
