سودان تمورو
الحرب لا تُقاس بعدد القذائف التي تُطلق، بل بالنتائج التي تُحدثها في نفسية الخصم. إسرائيل، التي بدأت العدوان على إيران، وجدت نفسها في موقف المُستغيث قبل أن يجفّ حبر بيانات الانتصار المزعوم. لقد كشفت الأيام الأخيرة حقيقةً مريرةً للكيان الصهيوني.. أنك قد تبدأ الحرب، لكنك لا تستطيع التحكم بنهايتها، خاصة عندما يكون خصمك مَن يعرف كيف يحوّل دفّتك إلى فخٍّ تَئِنُّ فيه أنت لا هو.
إيران لم تندفع وراء ردّ الفعل العاطفي، بل اختارت الضرب بذكاء. هي تملك قوة صاروخية قادرة على إغراق إسرائيل في دوّامة من الدمار، لكنها تفضل أن تجعل كل ضربة درسًا. درسًا في القوة في الصبر وفي فنّ تحطيم العدوّ دون حاجة إلى معركة وجودية واحدة. الصاروخ الذي سقط على “بتح تكفا” لم يكن مجرد انفجار عابر، بل كان رسالة واضحة.. الأمان الوهمي الذي باعته إسرائيل لشعبها لم يعد موجودًا، لا في الشوارع، ولا حتى في الملاجئ.
واللافت أن إسرائيل رغم أنها الطرف الذي بدأ العدوان، كانت أول مَن أدار ظهره للمواجهة وهرع نحو واشنطن طالبًا النجدة. أيُعقل أن يُعلن كيانٌ عن انتصاره بينما سفيره في الأمم المتحدة يبكي على منصة مجلس الأمن طالبًا الحماية؟ أيُعقل أن تُطلق النار ثم تصرخ قبل أن يُطلق الطرف الآخر رصاصةً واحدة؟ هذا ليس ضعفًا عابرًا، بل هو انكشافٌ استراتيجي. إسرائيل تعيش على وهم القوة، وعندما يُكشَف الوهم لا يبقى سوى الخوف.
إيران من جهتها لا تتعجل. هي لا تحتاج إلى إنهاء المعركة في جولة واحدة، لأن الزمن يعمل لصالحها. كل يوم يمرّ يزيد من شرخ الثقة بين الإسرائيليين وحكومتهم، وكل صاروخ يُطلق يُذكّرهم أنهم يعيشون فوق أرضٍ ليست لهم، وأن سردية “الشعب المختار” و”الجيش الذي لا يُهزم” لم تعد سوى خرافةٍ تُنقَضُ واحدةً تلو الأخرى.
الحرب الحقيقية ليست معركةَ صواريخٍ فحسب، بل معركةَ روايات. وإسرائيل، رغم كلّ ما تملكه من ترسانة عسكرية، تخسر روايتها. تخسر فكرة أنها قلعةٌ منيعة، وتخسر أسطورة أن بإمكانها ضرب أيّ أحدٍ دون حساب. إيران لم تهزمها بعدُ في الميدان، لكنها نجحت في كسر هيبتها في العقول وعندما تسقط الهيبة، لا تبقى إلا التفاصيل الصغيرة.. مثل صرخة نتنياهو التي سبقت حتى انطلاق الصواريخ.
