السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالخرطوم بين نزيف الحرب وبوادر الأمل!

الخرطوم بين نزيف الحرب وبوادر الأمل!

سودان تمورو:

الخرطوم ليست كما كانت. هذه ليست مجرد عبارة عابرة بل حقيقة دامغة تنضح بها جدرانها المتصدعة وشوارعها المهجورة وقلوب أهلها المثقلة بالخوف والحنين. فبعد شهور من أشرس المعارك التي عرفتها العاصمة السودانية ها هي تبدأ بمحاولات خجولة للتعافي تحاول لملمة جراحها كمن يسير في طريق عودته من المنفى محملاً بذكريات الحريق. فتح الجيش أبواب العاصمة معلناً استعادة  السيطرة وتقاطرت التصريحات التي تدعو الناس إلى الرجوع إلى منازلهم لكن أي منزل هذا الذي يُرجى منه أن يبعث الحياة من رماده؟ وأي قلب هذا الذي يعود مطمئنًا إلى مكان شهد فيه الرعب عيانًا لا رواية؟.

الذين يدعون اليوم إلى العودة وإن بدافع حسن النية يختزلون التعافي في صورته السطحية. فالمسألة ليست فقط أن يعود الناس إلى بيوتهم بل أن يشعروا أنهم يعودون إلى مدينة قابلة للعيش. الخرطوم التي عرفناها سقطت مرتين.. مرة تحت نيران الحرب ومرة أخرى حين استُبيحت الثقة فيها. الخراب لم يطل المباني وحدها بل ضرب عمق الشعور بالانتماء والأمان. إعادة الناس إلى المدينة لا تكون بالشعارات بل بإعادة بناء ثقة مهدومة وبترميم عقد اجتماعي تصدع تحت صوت الرصاص.

لكن من قلب هذه العتمة تظهر مفارقة لافتة.. مدن مثل بورتسودان والقضارف وشندي وعطبرة شهدت ازدهارًا نسبياً مع تدفق النازحين إليها. فقد نقلت الحرب معها فرصاً جديدة لهوامش البلاد التي لطالما عانت من التهميش. هذه المفارقة تطرح سؤالاً وجودياً حول مركزية الخرطوم.. لماذا يجب أن تظل العاصمة وحدها مركز الثقل السياسي والاقتصادي والإداري؟ أليس من الحكمة أن يُعاد النظر في توزيع التنمية والثروة بحيث تتحول هذه المدن التي احتضنت النازحين إلى مراكز دائمة لا ملاذات طارئة؟ لعل في هذه الأزمة فرصة لإعادة رسم خريطة السودان بشكل أكثر عدلاً وواقعية.

لكن حتى مع هذه الدروس لا يزال الأمل في الخرطوم قائماً وإن كان هشاً. العودة إلى العاصمة ممكنة بل ومطلوبة لكن بشروط حقيقية. أولها أن يشعر الناس بأن الأمن لم يعد مجرد غياب مؤقت للمواجهات بل حضور دائم لمؤسسات تحفظ القانون وتحمي الأرواح. ثانيها أن تُعاد الحياة الاقتصادية بنَفَس جديد.. بدعم المشاريع الصغيرة وتوفير خدمات أساسية وخلق بيئة تشجع الناس على الإنتاج لا على الهروب. وثالثها أن تكون الدولة شريكة حقيقية في هذا التحول لا مجرد منظم بيروقراطي؛ دولة تتحمل مسؤولياتها في التخطيط والبناء لا في التوجيه فقط.

عودة المؤسسات الحكومية إلى الخرطوم خطوة رمزية مهمة لكنها غير كافية وحدها. المؤسسات لا تبني مدينة بل تبنيها الإرادة الجمعية والعدالة والرؤية الواضحة. الخرطوم لن تُستعاد كما كانت ولا يجب أن تُستعاد كما كانت. فالعاصمة التي سقطت تحت ضجيج البنادق تحتاج أن تنهض على أسس جديدة.. دولة مدنية مواطنة متساوية وعدالة تنموية تتجاوز المركز لتصل إلى الأطراف. الخرطوم الجديدة يجب أن تكون نموذجاً لا ذكرى بداية لا تكراراً لماضٍ أنتج الانهيار.

الناس لا يعودون لأنهم أُمروا بالعودة بل يعودون حين يشعرون أن أرضهم أصبحت وطناً من جديد لا ساحة حرب مؤجلة. وعليه فإن العبرة ليست في سرعة إعادة الإعمار بل في نوعية الأسس التي سيُبنى عليها مستقبل المدينة. هذا هو الرهان الحقيقي.. أن نمنح الخرطوم حياة لا مجرد حياة جديدة بل حياة تستحق أن تُعاش.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات