سودان تمورو
لم تكن تصريحات وزير خارجية الكيان الصهيوني الأخيرة بشأن الجولان سوى تأكيد جديد على أن هذا الكيان لا يفهم إلا لغة الاحتلال، ولا يعترف إلا بشرعية القوة. حين يُعلن وبكل وقاحة أن “الجولان ليست موضعاً للتفاوض”، فإن هذا ليس مجرد كلام عابر في مؤتمر صحفي، بل هو إعلان صريح بأن الاحتلال قد تحوّل في عقل المؤسسة الصهيونية إلى حقٍّ دائم غير قابل للنقاش. هذا التصريح ليس موجَّهاً إلى السوريين وحدهم، بل إلى كلّ من ما زال يراهن على أن طريق المفاوضات يمكن أن يُعيد شِبراً من أرض أو يفرض احتراماً لأي قرار دولي. عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تؤكد بوضوح أن الجولان أرضٌ سوريّة محتلة، تُسحق تحت أقدام الاحتلال بينما يتحدّث البعض في منطقتنا عن “حلول وسط” و”مبادرات سلام” و”واقعية سياسية”!
الواقع يقول إن الكيان الصهيوني لم يتراجع يوماً عن احتلالٍ بفعل الكلام، ولا أعاد أرضاً نتيجة مبادرة حسنة النيّة. من فلسطين إلى الجولان إلى جنوب لبنان، لم يفهم هذا العدو سوى لغة المقاومة، ولم ينكفئ إلا حين واجه إرادة حقيقية ترفض الخضوع. ما يُقال اليوم عن الجولان هو تماماً ما سيُقال غداً عن القدس، وبعد غدٍ عن الضفة أو النقب أو سواها. حين نُسكت صوت المقاومة بحجة التفاوض، نمنح العدوّ الوقت والمساحة لتكريس واقع الاحتلال وتزييف التاريخ والجغرافيا معاً.
ليس المقصود هنا التهويل أو تغليب العاطفة على العقل، بل تذكير واقعي بأن هذا الكيان لا يلتزم إلا بما يُفرض عليه. كل تجارب التفاوض منذ “أوسلو” أثبتت أن التنازلات لا تقابل بتقدير، بل بمزيد من الأطماع. وكل محاولة لاحتواء الصهيوني سياسياً كانت تنتهي بتعزيز شرعية احتلاله على الأرض. فأي منطق هذا الذي يُطالبنا بالسكوت عن تصريح يعتبر الجولان أرضاً إسرائيلية “خارج النقاش”، وفي الوقت ذاته يمدّ اليد لتطبيع أو تفاوض؟! أليس في هذا استخفافاً بدماء الشهداء، وإهانة لكرامة شعوبٍ لا تزال تؤمن أن الأرض لا تُباع، ولا تُشترى، ولا تُهدى؟
إن الجولان ليس ورقة تفاوض، ولا بنداً في صفقة، بل هو قضية حقّ وعدالة وكرامة وطنية. التخلي عنها، أو حتى التهاون في الدفاع عنها، هو انكسار أخلاقي قبل أن يكون هزيمة سياسية. فالأرض التي رُويت بدماء السوريين، وواجهت ببسالة جيوش الاحتلال، لا يحقّ لأحد أن يُقدّمها على طاولة الحوار وكأنها هدية لتطبيع العلاقات. من يُساوم على الجولان اليوم، سيمهد الطريق للتفريط بالغد.
لهذا، فإن الموقف من الجولان يجب أن يكون صريحاً، حاسماً، لا يقبل المواربة ولا الالتفاف. المقاومة، بكل أشكالها، هي الخيار الوحيد القادر على تغيير المعادلة. أما الرهان على الوهم السياسي والدبلوماسي، فقد سقط منذ سنوات طويلة. الجولان ليست أرضاً متنازعاً عليها كما يحاول البعض أن يصورها، بل هي أرضٌ محتلة بقرارات الشرعية الدولية، وبإجماع الضمير العربي والعالمي. ومن واجب كل حرّ في هذه الأمة أن يرفض مساومتها، وأن يرفع الصوت عاليًا بأن الجولان ستبقى سوريّة، وأن المحتلّ، عاجلاً أم آجلاً، سيرحل.
اللحظة الراهنة تتطلب اليقظة، لا المجاملة، وتتطلب الثبات لا التنازل. فكما أسقطت المقاومة أوهام الاحتلال في جنوب لبنان، وكما صمدت غزّة في وجه الحصار والعدوان، فإن الإرادة الصادقة قادرة على كسر المعادلة في الجولان. لكن هذا لن يحدث إلا حين نعترف أن الصراع مع هذا العدوّ ليس على خرائط وحدود فحسب، بل على الوعي والكرامة والسيادة.
الجولان ليست أرضاً للمساومة.. بل هي جبهة للكرامة، وساحة للاختبار الحقيقي: إمّا أن نكون أمّةً حُرّة تعرف كيف تحمي حقوقها، أو شعوباً تُدار بسياسات التنازل، حتى لا يبقى منّا سوى الأطلال.
