الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالدبة.. حينما تتحدث البنادق وتغيب الدولة

الدبة.. حينما تتحدث البنادق وتغيب الدولة

سودان تمورو:

لم تكن ليلة الخميس في مدينة الدبة مجرد لحظة عابرة في سجل الأزمات السودانية، بل كانت إعلاناً مدوياً عن عمق الفوضى التي تضرب جسد الدولة، وتُنذر بمزيد من الانحدار. أربعة قتلى وعدد من الجرحى سقطوا في اشتباكات دامية بين مجموعات من “الكبابيش” و”الهواوير”، في مشهد يُعيد للأذهان وجع الحروب الأهلية المصغرة التي تتغذى على غياب الدولة وتناسل السلاح. وبينما تحاول السلطة أن تُقنع الناس بأنها “تفلتات شبابية”، يقرأ الشارع السوداني في ما جرى شرارة فتنة قبلية تُنذر بانهيارٍ مجتمعي قد يتوسع.

البيانات الرسمية كالعادة سريعة في التهدئة، لكنها باردة كعجزها، وتُغلف المأساة بخطاب مكرر عن “الطوق الأمني” و”تدخل القيادات الأهلية”، دون أن تمس جوهر الكارثة: لماذا يتحول شجار بين أفراد إلى معركة بأسلحة خفيفة ومتوسطة؟ من منح هؤلاء الشباب السلاح؟ وأي دولة هذه التي لا تحتكر العنف، ولا تملك القدرة على ضبط الشارع قبل أن يفيض بالدم؟

الحقيقة المُرة أن الدولة السودانية تُدير أزماتها بالإنكار. فبينما يتحدث اتحاد الكبابيش عن مواجهة مع “عصابة تهريب وقود”، تشير تسريبات أخرى إلى “اختطاف” كسبب مباشر للصدام. وبين هذه الروايات المتضاربة، يختبئ فشل أمني مريع، وانفلات سلاح لم تعد الدولة تسيطر عليه، بل وربما سمحت به ضمن ظاهرة “المقاومة الشعبية” التي تحوّل الشباب إلى ميليشيات غير نظامية، تقاتل في الشمال باسم الوطنية، وتتصارع في المدن باسم القبيلة.

الأسوأ من كل ذلك هو الاحتماء المتزايد بالقبيلة كبديل عن القانون. حينما يُقال إن عمد ومشايخ القبائل تدخلوا لاحتواء الأزمة، فهذا لا يُطمئن بقدر ما يُفزع: لأنه يثبت أن الكلمة الفصل لم تعد بيد الدولة، بل بيد من يملكون العصبية، والنفوذ الأهلي، والقدرة على تسويات ما بعد الجريمة. هذا الشكل من التدخل قد يُهدئ الوضع مؤقتاً، لكنه يُكرّس لسلطة غير دستورية، ويُضعف أي أمل في بناء دولة مواطنة متماسكة.

الدبة اليوم تُعلّمنا درساً صارخاً: لا استقرار دون نزع شامل للسلاح. لا أمن دون عدالة سريعة، تُحاسب القتلة لا تُساوي بين الجلاد والضحية. لا دولة دون حضورٍ يُرعب من يجرؤ على إطلاق النار، ويُشعر المواطن أن القانون أعلى من أي اسم قبيلة. إنّ التساهل مع هذه الحوادث بحجة أنها “مشاكل فردية” هو طريق معبّد لحرب أهلية لا تحتاج إلى جبهات، بل إلى مجرد خلاف داخل حافلة، أو اتهام في السوق، ليتحوّل المشهد إلى معركة دامية.

إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية مدينة صغيرة مثل الدبة من سلاح ابنائها، فماذا ستفعل في مدن أكثر تداخلاً وتعقيداً؟ وإذا لم تستطع الأجهزة الأمنية أن تُوقف انتشار السلاح، وتضبط شبكات التهريب، وتمنع عسكرة المجتمع، فما الفرق بينها وبين الغياب التام؟ إنّ بقاء الحال على ما هو عليه يعني فقط أن كارثة الدبة ستتكرر، في دنقلا أو كريمة أو بربر، لأن الظروف ذاتها، والغياب ذاته، والسلاح ذاته.

آن الأوان أن تتصرف الدولة كدولة، لا كمتفرج على فتنة. أن تسبق الدم لا أن تأتي بعده. أن تقول: لا أحد فوق القانون، لا قبيلة، ولا “مقاومة شعبية”، ولا تحالف أهلي. فالسودان، المُنهك بحرب كبرى، لا يحتمل فتناً صغرى. وإذا لم نستيقظ الآن، فقد نُفيق ذات صباح على وطنٍ بلا مدن، بلا سلم، بلا دولة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات