الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارإرضاء الحركات المسلحة أو مواجهة تمرد جديد!

إرضاء الحركات المسلحة أو مواجهة تمرد جديد!

خاص سودان تمورو

في ذروة حرب طاحنة مع قوات الدعم السريع، يجد البرهان نفسه أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إرضاء الحركات المسلحة أو المخاطرة بتمرد جديد يُنذر بتفكيك ما تبقى من الدولة. لم يكن قرار الإبقاء على وزارتي المالية والمعادن تحت سيطرة جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي مجرد توزيع تقليدي للسلطة، بل كان نتاج ضغوط مباشرة وتهديدات مبطنة مارستها تلك الحركات، وسط مؤشرات واضحة على تحركات مريبة قد تفتح باب التمرد على مصراعيه.

تؤكد التسريبات الأخيرة عن لقاء جمع وفداً من حركة مناوي بجهات إماراتية في تشاد، أن الأمور لم تعد خافية على أحد. هذا اللقاء لم يكن دبلوماسياً ولا عابراً، بل رسالة صارخة: “نملك خيارات بديلة، وقد نتحرك بها إذا تجاهلتنا الحكومة”. في واقع سياسي هش، حيث الدولة تقاتل للبقاء، لا يمكن تجاهل هذا النوع من الرسائل، ولا يمكن فصلها عن قرار البرهان بالموافقة على إبقاء الحركات على رأس الوزارات السيادية.

من الواضح أن الحكومة، تحت وطأة الحرب والانهيار الأمني، رضخت لابتزاز الحركات المسلحة خشية أن تنضم هذه الحركات إلى معسكر العدو، أو تفتح جبهة جديدة من التمرد في دارفور وكردفان. لقد اختارت الحكومة أن تشتري الهدوء المؤقت، على حساب استقرار طويل الأمد بات بعيد المنال. المنطق الذي يحكم المعادلة الآن ليس منطق الشراكة السياسية بل منطق السلاح والضغط.

ومن هنا، يُفهم التمسك بنسبة الـ25% التي مُنحت لحركات دارفور والحركة الشعبية-شمال بموجب اتفاق جوبا. ورُفضت دعوات إدراج مسارات أخرى، مثل مساري الشمال والوسط، ضمن هذه النسبة. الحكومة تريد غلق هذا الملف الآن، بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى خلق حالة من الغبن لدى أطراف أخرى في العملية السياسية.

هذا الإذعان لم يكن فقط نتاج ضغط داخلي، بل أيضاً تحسب واضح لتدخلات إقليمية قد تغيّر موازين القوى. الإمارات – التي ظلت لعقود لاعباً صامتاً في الملف السوداني – تلوح الآن بدعم بدائل عن الحكومة، وهي نفس المعادلة التي جعلت من الدعم السريع قوة ذات نفوذ سياسي وعسكري. يبدو أن الحكومة قد استوعبت الدرس، ولكنها تكرر الخطأ ذاته: السكوت على التهديد مقابل النجاة الآنية.

في المحصلة، ما جرى لا يمكن وصفه إلا بأنه تأسيس لعرف خطير: من يملك السلاح يستطيع أن يفرض شروطه على الدولة. وقد تعيش الحكومة هدنة شكلية اليوم، لكنها تزرع بذور أزمة أكبر في الغد. فكل فصيل سيحذو حذو جبريل ومناوي، وسيفهم أن التلويح بالسلاح يُكسب أكثر مما تُحققه صناديق الاقتراع أو اتفاقيات السلام.

اختار البرهان – في لحظة حرجة – أن يُرضي الحركات بدلاً من مواجهتها، وأن يمنحها مفاتيح السلطة المالية والموارد المعدنية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى توحيد الصفوف لا توزيع الغنائم. ربما كسب جولة سياسية، لكنه أطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من هيبة الدولة المركزية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات