الثلاثاء, أبريل 21, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارسليمان صندل وحكومة "السلام" المزعومة!

سليمان صندل وحكومة “السلام” المزعومة!

سودان تمورو:

عندما يخرج سليمان صندل، رئيس حركة العدل والمساواة، ليعلن أن حكومة السلام التي ستتشكل هي “فاصل نهائي بين السودان القديم والسودان الجديد”، فإن التصريح لا يُدهش، بل يُضحك بمرارة. لأن من يعرف تاريخ النخب السياسية السودانية، يعرف أن هذه العبارة لم تُولد اليوم، بل تم تدويرها مرارًا في كل مرحلة انتقالية، وكل وثيقة دستورية، وكل حكومة ترفع لافتة “السلام” على جثة وطن ممزق. فهل نحن أمام وعد جديد؟ أم خدعة قديمة بثوب حديث؟

صندل لا يقدّم مفهوماً للسلام، بقدر ما يعيد إنتاج وهمه. السلام، بحسب ما جاء في تصريحه، ليس إنهاءً فعلياً للحرب، ولا مصالحة وطنية شاملة، ولا عدالة انتقالية تعيد الحقوق إلى أصحابها، بل هو مجرد محطة تُستخدم لإعادة تدوير السلطة. يتحدث عن القطيعة مع السودان القديم، لكنه جزء أصيل منه، نشأ من رحم صراعاته، وارتوى من فوضاه، وتسلق سُلم التفاوض تحت راية البندقية لا عبر تفويض شعبي أو استحقاق انتخابي. فكيف يكون حامل السلاح، الذي دخل اللعبة السياسية عبر اتفاقيات محاصصة، هو بالضبط من يحدد معالم “السودان الجديد”؟

ما يغفله صندل – أو يتجاهله عن قصد – أن المواطن السوداني لم يعد يصدّق هذه الشعارات. سنوات طويلة من الانتقال المزعوم، من ثورة إلى انقلاب إلى حوار وطني إلى سلام ناقص، كفيلة بأن تقتل أي قدرة على التحمّس. الشعب بات يُدرك أن السلطة في السودان لا تُبنى على برامج، بل على تفاهمات مغلقة فوق طاولة ملوثة بالمصالح، وأن كل من يعلو صوته بالحديث عن “المرحلة الجديدة”، إنما يستعد لحجز مقعده في الطائرة الرئاسية القادمة.

الحقيقة أن حكومة “السلام” التي يتغنى بها صندل، لا تختلف في تركيبتها ولا في نواياها عن أي حكومة سابقة: تحالف هش بين قوى لا يجمعها مشروع وطني بل الطموح الفردي، ولا تحركها مسؤولية وطنية بل الرغبة في اقتسام الغنيمة. وإن كانت هناك قطيعة بالفعل، فهي فقط قطيعة مع آخر ما تبقى من الأمل. ما جرى ليس إلا محاولة جديدة لبيع فكرة “السودان الجديد” على منصة “إكس”، بينما الواقع يُعيد إنتاج الخراب.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه التصريحات تُستخدم لتزييف الوعي الجمعي، عبر الإيحاء بأن البلد قد دخل عهداً مختلفاً، بينما كل الشواهد تقول عكس ذلك: الحرب مستمرة، الاقتصاد يحتضر، الدولة بلا مؤسسات، والناس في الداخل والشتات يعيشون على حافة الانهيار. فما معنى “السلام” في ظل هذا كله؟ وهل تكون المصافحة بين أطراف الصراع دليلاً على الانتقال الديمقراطي؟ أم مجرد تسوية جديدة لتأجيل الانفجار القادم؟

ربما لا يُلام صندل كثيراً، فهو يمارس ما تعلمه من المدرسة السياسية السودانية العتيقة: الكلام أولاً، والخداع ثانياً، والتبرير ثالثاً. لكن ما يُلام عليه، هو الظن أن الشعب لا يزال يشتري هذا النوع من البضاعة. لم تعد الجماهير بحاجة لمن يحدثها عن سودان جديد، بل بحاجة إلى من يُقر بأن السودان لم يخرج بعد من نفقه، وبأن من في السلطة اليوم ليسوا أكثر من نسخة مكررة، وإن ارتدوا أزياء الثورة والسلام.

التغيير الحقيقي لا يبدأ من ندوة صحفية أو تغريدة، بل من مراجعة شاملة لمنظومة السلطة التي جعلت من السودان أرضًا خصبة للفشل المتكرر. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس ما إذا كانت حكومة صندل فاصلاً بين عهدين، بل: هل نحن أصلاً في دولة حقيقية؟ أم في مشهد عبثي تتكرر فيه الوجوه والأكاذيب والدماء، بينما يصرّ البعض على تسويق الأوهام؟

من يتحدث عن السودان الجديد، عليه أولاً أن يتنكر لإرثه السياسي الفاسد، أن يتنازل عن امتيازاته، أن يواجه الشارع لا أن يُخدره، وأن يُقدم الفعل لا التغريدة. غير ذلك، لن تكون حكومة السلام إلا فصلاً جديداً من كتاب الخراب… عنوانه هذه المرة: “الوهم في عباءة التغيير”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات