سودان تمورو:
لا خلاف أن نظام المؤتمر الوطني مثَّل واحدة من أسوأ مراحل الحكم في تاريخ السودان الحديث. لقد اختُطِفت الدولة لصالح حزبٍ واحدٍ وجرى تجفيف مؤسساتها واستُبيح اقتصادها وانتهكت الحريات بلا هوادة حتى تحوَّلت البلاد إلى حطام. لكن المأساة السودانية لم تُصنع بأيدي “الكيزان” وحدهم. فبعد أن أطاحت ثورة ديسمبر المجيدة بذلك النظام أتيحت لقوى الحرية والتغيير فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والديمقراطية لكنها سرعان ما تحوّلت من حامل لأحلام الثورة إلى شريك في ضياعها.
الاستئثار بالسلطة الذي مارسته قوى التغيير منذ لحظة الشراكة الأولى مع العسكر كان بمثابة القنبلة الموقوتة. ظنت هذه القوى أن لها الحق الحصري في إدارة المرحلة الانتقالية متناسية أن الثورة لم تكن ملكًا لفصيل واحد وأن السودان لا يُحكم بالشعارات الثورية وحدها بل بالواقعية السياسية والتوافق الوطني. تجاهلت قوى التغيير مكونات سياسية واجتماعية واسعة واختزلت الانتقال في تحالف هش تحركه حسابات ضيقة ومصالح فئوية ما جعلها عاجزة عن بناء تحالف عريض يحمي الدولة من الانهيار.
أكبر الأخطاء كانت في العلاقة مع المؤسسة العسكرية. وبدلًا من إدارة شراكة استراتيجية حكيمة اختارت قوى التغيير خطابًا عدائيًا ينذر بالمواجهة لا الشراكة. تهديد قادة الجيش بالمحاسبة والمحاكمات بمجرد تسليمهم للسلطة لم يكن خطوة نحو العدالة بل إشارة صريحة بأن لا مكان لهم في مستقبل البلاد. ومتى ما شعر العسكريون بأنهم محاصرون سياسياً ومهددون قانونياً فمن الطبيعي أن يتمسكوا بالسلطة حتى آخر طلقة. بهذا النهج حُوّلت المعركة من صراع سياسي إلى حرب بقاء وفتح الباب لانقلاب دموي أو نزاع مسلح وهو ما حدث.
أما المؤتمر الوطني فرغم سقوطه شكليًا فإنه لم يغب عن المشهد فعليًا. ظل يعمل في الخفاء ينفذ أجندته ويبحث عن ثغرات للعودة. ولما وجد أن العملية السياسية لا تتيح له موطئ قدم عاد إلى ما يعرفه جيدًا.
تصريح محمد الفكي سليمان عن أن عناصر المؤتمر الوطني تعتبر الحرب وسيلة لإعادة ترتيب المشهد ليس تحليلاً نظريًا بل توصيف واقعي لما حدث فعلاً. ولكن لا يمكن فهم قرارهم بالعودة عبر الحرب دون الاعتراف بأن قوى التغيير هي من هيّأت لهم تلك العودة بسوء إدارتها للمرحلة الانتقالية.
ما جرى في السودان لم يكن مجرد انقلاب أو تمرد عسكري بل نتيجة حتمية لسلسلة من القرارات الخاطئة التي اتخذتها جميع الأطراف. من اختار منطق الإقصاء من هدَّد بالعقاب قبل الوصول إلى الحكم المدني من لم يستطع بناء دولة مدنية جامعة كل هؤلاء يتحملون المسؤولية. ليست قوى التغيير بريئة وليست وحدها المذنبة. وليس المؤتمر الوطني بريئًا لكنه أيضًا لم يأتِ من فراغ.
إن البلاد اليوم لا تحتاج لمزيد من المناكفات أو توزيع الشهادات الوطنية بل تحتاج إلى لحظة صدق تاريخية تعترف فيها النخب السياسية والعسكرية والأيديولوجية بأنّها أخفقت وأن الشعب السوداني وحده دفع الثمن من دمائه واستقراره وأحلامه. المستقبل لن يُبنى على وهم الانتصارات الكاذبة ولا على الشعارات بل على التواضع السياسي والمراجعة العميقة والإرادة الجماعية لصياغة مشروع وطني شامل لا يُقصي أحدًا ولا يُقدِّس أحدًا.
إذا لم تدرك قوى الثورة أنها أخطأت وإذا لم يفهم المؤتمر الوطني أن العودة عبر الحرب خيانة لكل ضحاياه وإذا لم تكف المؤسسة العسكرية عن اللعب بورقة السلطة فإن السودان لن يغادر مربع الدم. والنتيجة؟ شعبٌ يُسحق بين طموحات النخب بينما يظل يحلم فقط بأن يعيش.
