سودان تمورو:
ما بدا في البداية خطوة تصالحية إيجابية بين الحكومة الانتقالية وقيادة حزب الأمة القومي، عبر لقاء وفد يقوده محمد عبد الله الدومة برئيس الوزراء كامل إدريس، سرعان ما انقلب إلى مرآة تعكس عمق الأزمة داخل هذا الحزب العريق، بل ويفضح في آنٍ واحد أزمة أكثر شمولًا يعاني منها العمل الحزبي السوداني برمّته. فالصراع الذي تفجر حول مشروعية القيادة، وتباين المواقف بين جناح الدومة المدعوم من مؤسسة الرئاسة، وتيار برمة ناصر الذي يحذر من “انقلاب ناعم”، ليس مجرد تباين تنظيمي، بل هو تجلٍ لانهيار المعايير المؤسسية في أكبر أحزاب السودان.
بعد وفاة الإمام الصادق المهدي، بدا حزب الأمة كما لو أنه فقد بوصلته الفكرية والسياسية، وبات نهبًا لصراعات شخصية، وتكتلات جهوية، وتحالفات خارجية لا يجمعها جامع سوى السعي وراء السلطة. لم يعد الحزب هو الكيان الذي يقود الجماهير، بل أصبح يتحرك بردود فعل داخلية وخارجية، بلا مرجعية فكرية واضحة أو رؤية سياسية موحدة. وهو في ذلك لا يختلف كثيرًا عن غالبية الأحزاب السودانية، التي تنشأ عادة حول زعيم لا حول مشروع، وتُبنى على الولاءات لا على الأفكار، وتُقاد بالتوازنات الجهوية لا بالمؤسسات.
إن ما يجري في حزب الأمة ليس معركة حول من يقود، بل معركة حول معنى القيادة نفسها: هل هي استمرار لنهج الإمام الصادق وتطوير لفكره السياسي، أم مجرد وراثة تنظيمية تتحكم فيها اعتبارات التوازن الإثني والتحالفات الظرفية؟ المشكلة الأعمق أن الحزب، مثله مثل بقية القوى السياسية، لا يمتلك آلية ديمقراطية فعالة لحسم هذه الإشكالات. فغياب المؤتمرات العامة، وتهميش القواعد، واحتكار القرار من قبل دوائر ضيقة، جعل من الحزب جهازًا فوقيًّا هشًّا، ينهار أمام أول اختبار داخلي أو خارجي.
لكن لنسأل بصدق: هل الأزمة في حزب الأمة هي حالة استثنائية؟ أم أنها كاشفة لمرض مزمن في بنية الأحزاب السودانية؟ الحقيقة المؤلمة أن الساحة السياسية في السودان لم تنجح في إنتاج أحزاب حديثة، قادرة على الصمود بعد غياب قادتها الكاريزميين. فبعد رحيل الترابي تفكك المؤتمر الشعبي، وبعد ضعف الميرغني تراجع الاتحادي، وبعد إبراهيم نقد فقد الحزب الشيوعي كثيرًا من وهجه. ولا تزال الأحزاب تُدار بنفس الآليات القديمة: الزعيم، ثم العائلة، ثم حلقة ضيقة من المريدين. أما الأفكار فمغيّبة، والبرامج معدومة، والديمقراطية الداخلية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
هذا الفشل لا يعود فقط إلى غياب الوعي المؤسسي، بل أيضًا إلى طبيعة الثقافة السياسية السائدة، التي تميل إلى تقديس الزعماء وتهميش القواعد، وإلى طبيعة النشأة الحزبية نفسها، التي غالبًا ما تكون ردة فعل على السلطة لا مبادرة لتغييرها من الجذور. فالأحزاب السودانية في معظمها لم تُبنَ على فكرة ناضجة أو فلسفة واضحة، بل على إرث طائفي أو صراعات نخبوية أو ردود فعل ضد نظام قائم. ولذلك فهي تتشرذم فورًا إذا اختفى مركز الثقل أو تبدّلت موازين السلطة.
السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتجدد الأحزاب من داخلها، عبر مراجعات فكرية وتنظيمية جذرية، تؤسس لديمقراطية داخلية حقيقية، وتقطع مع الزعامة الوراثية، والجهوية السياسية، والتبعية للقوى العسكرية؛ أو أن تستمر في التآكل التدريجي إلى أن تصبح مجرد هياكل خاوية، تُستخدم لتزيين مشهد سياسي تديره فعليًا قوى غير منتخبة. لا يمكن بناء ديمقراطية دون أحزاب ديمقراطية، ولا يمكن إنقاذ وطن مفكك من خلال أدوات تنظيمية هي نفسها مفككة ومهترئة.
فإذا كانت أزمة حزب الأمة قد فجّرتها وفاة الإمام الصادق المهدي، فإن الحل لن يكون بإعادة إنتاج الزعامة، بل بكسر الحلقة المفرغة للولاءات الشخصية، وإطلاق دورة جديدة من العمل الحزبي المؤسسي، القائم على البرامج لا الأشخاص، وعلى القيادة المنتخبة لا المعيّنة، وعلى الحوار لا الإقصاء. وحينذاك فقط، يمكن للسودانيين أن يأملوا في حياة سياسية صحية، تُنتج حكومات راشدة، لا أنظمة مترهلة يُعاد تدويرها كل مرة تحت لافتات جديدة.
السؤال الكبير إذن: هل لدى الأحزاب السودانية الشجاعة لتبدأ إصلاح نفسها، أم أن قطار الزمن سيمضي، تاركًا وراءه خرائط ممزقة لماضٍ كان يمكن أن يُصبح مستقبلًا؟
