الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارأسرار "السافنا ثعلب الصحراء" قد تقلب موازين حرب السودان

أسرار “السافنا ثعلب الصحراء” قد تقلب موازين حرب السودان

سودان تمورو:

تنقل “السافنا” بين عدة تشكيلات مقاتلة مختلفة بما فيها الجيش وأسس “جبهة القوى الثورية”، ورفض سابقاً دمج قواته في “الدعم السريع”.

رأى مراقبون أن انفصال “السافنا” بوصفه صندوق أسرار الميليشيات شكل صفعة جديدة تعكس عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها الميليشيات، وتمثل خطوة كبيرة في اتجاه تفككها لا سيما من الناحية الاستخباراتية بوصف الرجل كان مطلعاً على كافة المعلومات الخاصة بالقوات، بما فيها طرق الإمداد وشبكات التجنيد العابرة للحدود وكذلك خطط وتكتيكات تحركاتها الميدانية.

لم يكن الانشقاق الذي أعلنه القائد علي عبدالله رزق الله، المعروف بـ “السافنا”، أحد أبرز القادة الميدانيين، عن قوات “الدعم السريع”، والذي عدَّ ثاني أكبر انشقاق تشهده تلك القوات بعد انشقاق اللواء “النور القبة” أواخر أبريل (نيسان) الماضي، الانفصال الأول في مسيرة الرجل المعروف بكونه شخصية مثيرة للجدل وتقلباته وتحولاته القلقة ما بين عدة تشكيلات مقاتلة مختلفة.

عدة محطات شكلت شخصية القائد “السافنا” منذ أن امتشق سلاحه للمرة الأولى في بوادي شمال دارفور ووديانها خلال الفترة بين (2003 – 2005)، وهو بذلك يُعد من أكثر القادة الذين تنقلوا بين المجموعات المسلحة والتحالفات القبلية والعسكرية، بما فيها الانضمام للجيش السوداني نفسه بموجب اتفاق سلام ثم الانسلاخ عنه والانضمام لـ”الدعم السريع” عقب نشوب الحرب، وصولاً إلى انشقاقه الأخير عنها.

ماذا يخبئ الرجل؟

على رغم أن الرجل لم يفصح حتى اليوم عن خطواته التالية للانشقاق، لكن رسالته الصوتية المسجلة الأخيرة المسربة تشير إلى استعجال حملة ضد “الدعم السريع” وقياداته ممن أسماهم “آل دقلو” وأصحاب الحظوة داخل الميليشيات.

أيضاً لم يؤكد القائد المنشق في خطاب انشقاقه أو تسجيله الصوتي اللاحق، انحيازه الصريح إلى الجيش بل خاطب كل الشعب السوداني ودعاه لعدم الوقوف مع أي من الجهات العسكرية المشاركة في الحرب.

لم يكتف “السافنا” في كلمة انشقاقه المسجلة، لكنه وبحكم امتلاكه معلومات هامة وحساسة عن الميليشيات، ألحقها بتسجيل صوتي عقب انشقاقه بأيام كشف فيها عن الظلم داخل “الدعم السريع”، محذراً من امتلاء سجونه بالمظلومين، متهماً القيادات الأهلية في مناطق سيطرة الميليشيات بالسعي وراء مصالحهم والامتيازات التي توفرها لهم. كذلك اتهم قوات “الدعم السريع” بسرقة انتفاضة ديسمبر (كانون الأول)، مقراً بخطئه في السير خلفها في ذلك الوقت.

الثعلب العنيد

يوصف “السافنا” بأنه ثعلب صحراء “الدعم السريع” بحكم خبرته في حروب العصابات ومعارك المناطق السهلية المفتوحة، منذ تأسيسه لقوات أسس ما يسمى بـ”جبهة القوى الثورية”، كذلك عرف بالعناد والمواقف الصدامية.

رفض في عام 2017 دمج قواته في “الدعم السريع” عندما كان الأخير تابعاً للدولة، مما أدى لاعتقاله لأعوام. وعقب خروجه من سجن الهدى في عام 2023، عاد للميدان تحت ضغوط معقدة، لكن “التمرد” على الظلم والولاء التاريخي للشيخ موسى هلال دفعتاه أخيراً لاتخاذ قراره الاستراتيجي بالانضمام للجيش، مما يجرد الميليشيات من أهم عقولها الميدانية ومفاتيحها الاجتماعية في إقليم دارفور.

البيئة والقدرات

لم تكن بداية “السافنا” مختلفة عن كثير من القادة التقليديين، فقد نشأ كمقاتل بعيداً من ضوابط المؤسسات العسكرية النظامية، لكنه جاء من نفس بيئة الصراع وقلب المجموعات المسلحة التي تقاتل في دارفور التي يبنى فيها النفوذ عبر القبيلة والولاء الشخصي، والقدرة على حشد السلاح والمقاتلين.

تتقاطع الروايات في شأن السيرة الذاتية للقائد علي رزق الله “السافنا” المولود في شرق دارفور في بداية الثمانينيات، وحمل السلاح وهو في العشرينيات من عمره، مع تصاعد تمرد دارفور ضد نظام عمر البشير بين 2003 و2005. وكان في بداياته الأولى ينشط ضمن مجموعات مرتبطة بــ “علي كارينيو” داخل “حركة تحرير السودان”، بخاصة في مناطق شرق دارفور ومسارات الرُحّل.

بداية الشهرة

تشير مصادر أهلية إلى أنه لم يبدأ نشاطه الأول بصورة سياسية صرفة، بقدر ما كان خليطاً من التمرد المسلح المرتبط بحماية النفوذ القبلي والسيطرة على الطرق الصحراوية، ولا تخلو أحياناً من عمليات النهب وفرض الإتاوات التي كانت منتشرة في دارفور وقتذاك.

مع الوقت، بدأ “السافنا” يتحول من مجرد قائد ميداني محلي إلى شخصية معروفة تحظى بشعبية ورمزية وسجل نضالي في أزمة صراع دارفور، بخاصة بعد توقيعه اتفاق سلام مع حكومة البشير، ثم انضمامه لاحقاً إلى مجلس الصحوة بقيادة موسى هلال، قبل انتقاله لاحقاً إلى قوات “الدعم السريع” بعد اندلاع حرب أبريل (نيسان) 2023.

مسيرة ومحطات

منذ منتصف العقد الأول من الألفية (2004 – 2006) ظهر اسم “السافنا” ضمن المجموعات المسلحة في إقليم دارفور وعلى وجه التحديد بمحيط منطقتي مستريحة وكبكابية في شمال الإقليم، كذلك ارتبط اسمه لاحقاً بمجموعات عربية مسلحة ذات طابع قبلي وميداني.

مستفيداً من خبرته ومعرفته بالمسالك الصحراوية وعلاقاته وسط بعض المجموعات العربية في دارفور، أسس لاحقاً مجموعته الخاصة المعروفة باسم مجموعة “السافنا”.

سلام وعودة

في عام 2013 وقع “السافنا” اتفاق سلام مع حكومة البشير، جرى بموجبه دمجه في الجيش السوداني ومنح رتبة المقدم، ليصبح ضمن القادة الوسط داخل الجيش. لكنه عاد مجدداً إلى التمرد وانضم إلى “تنظيم مجلس الصحوة الثوري” بقيادة زعيمه القبلي في قبيلة “المحاميد”، ذات الأصول العربية والخصم التاريخي لمحمد حمدان دقلو “حميدتي” داخل دارفور، ليصبح من أكثر القادة الميدانيين المقربين لموسى هلال.

استمر الأمر على حاله حتى إعادة اعتقاله مع موسى هلال وعدد من قادة “مجلس الصحوة” عقب الاشتباكات بين قوات “الدعم السريع” والمجلس في بادية مستريحة عام 2017، حيث خضع لمحاكمة عسكرية، وجرى فصله من الجيش وتجريده من رتبته العسكرية.

الحرب والحرية

ظل “السافنا” حبيساً بسجن الهدى في أم درمان حتى حررته قوات “الدعم السريع” بإخراجه من السجن مع اندلاع الحرب الراهنة منتصف أبريل (نيسان)، لينضم إلى القتال إلى جانبها وحينها جرى ترفيعه إلى رتبة العميد.

حول منطقة وجوده حالياً ألمحت مصادر مقربة بتحفظ شديد إلى وجود “السافنا” حالياً خارج البلاد للعلاج، منوهة إلى أن بعض قواته متحصنة في مناطق بعيدة من سيطرة “الدعم السريع”، بينما قال هو علناً إنه منحاز للشعب السوداني وليس تابعاً لأي جهة عسكرية أخرى.

وفي أولى إشارات انشقاقه، بدأ “السافنا” في تسجيل صوتي سابق بدا فيه داعماً لانشقاق اللواء “النور القبة”، مبرراً خطوته بأنها جاءت نتيجة تدهور الأوضاع الداخلية بالميليشيات وتصاعد التهميش والظلم الذي يمارس بحق عدد من القيادات والعناصر.

كذلك شكا، قبل إعلان انشقاقه، من اتهامات بالتخوين وصراعات داخلية وانتشار الفساد وتحكم أسرة “دقلو” في مفاصل اتخاذ القرار داخل “الدعم السريع”، مما خلق احتقاناً واسعاً وشعوراً بالتهميش والإقصاء وسط القيادات الميدانية.

دلالات الانشقاق

رأى مراقبون أن انفصال “السافنا” بوصفه صندوق أسرار الميليشيات شكل صفعة جديدة تعكس عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها الميليشيات، وتنسف صورة تماسكها. وتمثل في الوقت نفسه خطوة كبيرة في اتجاه تفككها وتعزز عوامل انهيارها، لا سيما من الناحية الاستخباراتية بوصف الرجل كان مطلعاً على كافة المعلومات الخاصة بالقوات، بما فيها طرق الإمداد وشبكات التجنيد العابرة للحدود وكذلك خطط وتكتيكات تحركاتها الميدانية.

هذا القرار شكل أيضاً ضربة معنوية وعسكرية جديدة للميليشيات، بخاصة وأن الرجل يُعد من أبرز القيادات الميدانية ذات النفوذ الواسع في إقليم دارفور، بخاصة وأنه جاء على خلفية سلسلة خلافات وانسلاخات ميدانية خلال الأشهر الأخيرة.

علاقات وخبرات

يرى الباحث الأمني والسياسي، ضوالبيت الدسوقي، أن أهمية “السافنا” لا تنبع فقط من موقعه أو رتبته كقائد عسكري ميداني، بل أيضاً من شبكة علاقاته ومكانته القبلية في دارفور كأحد قادة “المحاميد”، إضافة إلى قدراته وتنوع خبراته في القتال الصحراوي بسبب تنقله بين حركات ومعسكرات عدة، فضلاً عن الولاء الشخصي لمجموعات المقاتلين التابعين له أكثر من ولائهم لأي مؤسسة يتبع لها. وهو أيضاً بات معروفاً إعلامياً وميدانياً، وبالتالي فإن خروجه يحمل رسالة بأن العديدين من القيادات الميدانية لم تعد مقتنعة بمسار الحرب أو قدرات “الدعم السريع” على حسم الحرب لمصلحته.

الوجهة الجديدة

ينوه الدسوقي إلى أن “السافنا” لم يحدد في فيديو إعلان انشقاقه مكانه ووجهته الجديدة، فهو لم يذكر أنه انضم للجيش أو أي جهة عسكرية أخرى، لكنه قال “من اليوم ليس لي علاقة بـ‘الدعم السريع‘، أعلن انشقاقي الكامل عن هذه القوات”، وإنه يسعى مع الشعب إلى السلام والأمن والاستقرار. لكن الواقع يقول إن من الصعب عليه الاحتفاظ بكيان مستقل له في ظل موجة التحالفات التي تتعاطى مع الحرب الراهنة، غير أنه في كل الأحوال أقرب إلى الانضمام إلى الجيش.

يشير الباحث، إلى أن توقيت الانشقاق وخلفياته والتسجيلات المنشورة السابقة له، تكشف عن أزمة عميقة تضرب بنية الميليشيات من الداخل، وتحمل إشارات واضحة بأن “الدعم السريع” استنفد كل ما عنده من أطروحات التي لم تعد مقنعة، ودخل إلى مرحلة التفكك والانهيار التدريجي.

تفجر الأوضاع

ويرجع مراقبون ومحللون أمنيون تفاقم التوترات والتصدعات داخل “الدعم السريع” بصورة أساسية لطبيعة تكوينها القبلي متعدد المشارب العرقية. لكنهم يرجحون أن واقعة الهجوم الذي شنته قوات “الدعم السريع” في الآونة الأخيرة على بادية مستريحة، معقل قيادة قبيلة “المحاميد”، كانت هي المحطة الفاصلة التي وسعت الشروخ وعمقت الغضب وفجرت الأوضاع أوساط القبلية، التي كانت تُعد الحليف التقليدي لها، إضافة إلى الدور الذي لعبه زعيم “المحاميد” الشيخ موسى هلال في تحييد عدد من أبناء القبيلة، الذين كانوا منخرطين في القتال إلى جانب “الدعم السريع”، الأمر الذي يضعف نفوذ أسرة “آل دقلو” داخل بعض مناطق دارفور.

لا يمحو المسؤولية

من جانبه، قال مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والخارجية، أمجد فريد الطيب، إن الانشقاقات المتتالية من جبهة “الدعم السريع” وتصدعها المتزايد ينبغي النظر إليها على أنها “خصم من ذخيرة الوحش الذي يقتل ويحرق ويدمر وإضعاف لقدرته على مواصلة إراقة دمائنا”.

ويؤكد أنها لا تمحو المسؤولية الجنائية عن أي انتهاكات سابقة، ولا تسقط الحقوق الخاصة، مشيراً إلى أن باب التقاضي يظل مفتوحاً للأفراد والمجتمع المدني، بوصفه المسار الطبيعي لمجتمع يريد استعادة عدالته لا المساومة عليها.

المحاسبة والعدالة

وعلى رغم الترحيب الرسمي بانشقاق “السافنا” ووصف بعض المراقبين الخطوة بـ “العودة إلى حضن الوطن”، إلا ان العديد من التحليلات ربطت بين عودة المنشقين وضرورة المحاسبة والعدالة بشأن الانتهاكات والفظائع التي ارتكبت ضد المدنيين بواسطة قوات “الدعم السريع”، والتي تورط فيها بصورة تلقائية القادة الميدانيون لـ”الدعم السريع”.

وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان قد نوه إلى أن العدالة والحقوق والعفو يملكه الشعب السوداني وحده من دون غيره، مؤكداً أن الكلمة الأخيرة بحق الذين سلموا أنفسهم هي للشعب الذي يقرر محاسبتهم أو العفو عنهم.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات