الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالعقوبات الأوروبية.. عدالة انتقائية وسيفٌ مسلّط على الضعفاء فقط

العقوبات الأوروبية.. عدالة انتقائية وسيفٌ مسلّط على الضعفاء فقط

خاص سودان تمورو

حين تعلن أوروبا عن فرض عقوبات على قادة الدعم السريع أمثال حسين برشم وأبو عاقلة كيكل سابقا، تبدو الخطوة في ظاهرها وكأنها انتصار للعدالة، رسالة حازمة ضد المجرمين الذين مزقوا السودان بدماء الأبرياء. لا أحد يملك الدفاع عن أمثال هؤلاء أو عن سجلهم المتخم بجرائم الحرب، ولا يُعفيهم تبديل الولاءات أو الانخراط تحت رايات أخرى، فالدم لا يُمحى بتغيير الأزياء، والجرم لا يسقط بمرور الزمن. لكن الحقيقة المرة أن هذه العقوبات، برغم عدالتها الظاهرة، ليست سوى جزء من آلة انتقائية تضرب الضعفاء بينما تحمي المجرمين الأقوياء.

لماذا يصبح السودان مسرحاً مفتوحاً للعقوبات بينما يُترك قتلة غزة يسرحون بلا حساب؟ أكثر من 40 ألف مدني في غزة، معظمهم من النساء والأطفال، ذُبحوا تحت القصف الإسرائيلي الممول والمسلح غربياً، فأين هي العقوبات على نتنياهو وحكومته؟ أين حظر السفر وتجميد الأصول وقوائم العار؟ الإجابة معروفة: لا عقوبات على من يخدم مصالح الكبار، ولا حساب لمن يقتل بترخيص من نظام دولي متوحش لا يرى في العدالة سوى ورقة ضغط لابتزاز الضعفاء.

العقوبات ليست أداة أخلاقية، بل هي سلاح سياسي. أوروبا، التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، تغض الطرف عن جرائم حلفائها، بل وتدعمهم بالمال والسلاح والسياسة. هي لا تعاقب مجرمينا لأنها انحازت للعدالة، بل لأنها تريد أن تُبقي السودان ضعيفاً، هشاً، تابعاً لنظام دولي يوزع الحصانة وفقاً لموقعك من المصالح الغربية. حين يُقتل السوداني أو الفلسطيني أو اليمني، لا تتحرك الضمائر الأوروبية، بل تتحرك فقط حين تكون الضحية ذريعة لفرض النفوذ.

نعم، نحن نطالب بإخضاع كل مجرم في السودان للحساب، سواء في الدعم السريع أو الجيش أو أي فصيل آخر، لكننا نرفض أن تكون العدالة انتقائية ومجتزأة تخدم مصالح الآخر. إننا نحتاج إلى عدالة تصنعها الإرادة الوطنية، محاكم وطنية مستقلة لا تنحني لإملاءات الخارج، لأن الخارج لا يريد لنا عدالة، بل يريد لنا ضعفاً وخضوعاً.

كم من مرة شهدنا هذا المشهد يتكرر؟ عقوبات في السودان، ثم في ليبيا، ثم في العراق، وكلها تنتهي بتفكيك الدول وإعادة تشكيلها على مقاس الهيمنة الغربية. فكيف نطمئن لعدالة يوزعها من يمارس الإرهاب باسم القانون الدولي؟ الحقيقة أن أوروبا ليست سوى الجلاد الذي يمسك بالسوط بيد، ويرفع راية حقوق الإنسان باليد الأخرى.

لذلك، حين نسمع عن عقوبات أوروبية جديدة، فلنغلق أذاننا عن التصفيق الأجوف. فالعقوبة التي تُسلط على السوداني بينما يحصد الإسرائيلي الأرواح بلا حساب، ليست إلا استعراضاً لعدالة مزيفة. والسيف الأوروبي لن يطال يوماً رقاب الكبار، بل سيبقى مُسلّطاً على الضعفاء… ونحن نعرف ذلك جيداً.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات