خاص سودان تمورو
في خضم أتون الحرب الأهلية المشتعلة في السودان، لا تزال الحركات المسلحة تُجدد خطابها الشعبوي المتستر بشعارات الوطنية والقضية، رغم أنها غارقة حتى أذنيها في مستنقع الارتزاق والانتهازية. تصريحات الصادق علي النور، المتحدث باسم حركة جيش تحرير السودان، حول ضرورة دمج الحركات المسلحة في الجيش، ليست سوى محاولة مكشوفة لشرعنة وجودها المسلح وتحصين مصالح قادتها تحت غطاء “التكامل مع الجيش الوطني”.
الحقيقة الجلية التي لا تخطئها عين متابع هي أن الحركات المسلحة وقوات الدعم السريع وجهان لعملة واحدة: أدوات ارتزاق مغلفة بشعارات قومية كاذبة. الفرق الوحيد بينهما لا يكمن في المبدأ بل في سقف الطموحات. فالدعم السريع، الذي خرج من رحم النظام البائد كأداة قمعية بامتياز، تحول إلى كيان مافيوي مدعوم إقليميًا، وتحديدًا من الإمارات، يسعى علنًا لاختطاف الدولة بالكامل. أما الحركات المسلحة، فقد استسلمت لدورها كـ”كمبارس” في مشهد سياسي مضطرب، تقتات من فتات السلطة وتلوّح بورقة التمرد كلما هُددت مكاسبها الوزارية الزائفة.
الأدهى أن قادة هذه الحركات، ممن لم ينجحوا خلال أكثر من خمسة عشر عامًا في تحقيق أي إنجاز عسكري يُذكر – عدا استباحة القرى الآمنة وإشعال الإقليم بالدم – لا يزالون يطالبون بنصيب في كعكة السلطة تحت مسمى “استحقاق السلام”. أي سلام هذا الذي يُبنى على حقائب وزارية موزعة بين تجار حرب لم تجرؤ حركتهم يومًا على بسط نفوذها على مدينة واحدة في دارفور أو غيرها؟
التشابه بين الحركات المسلحة والدعم السريع لا يتوقف عند حدود الارتزاق، بل يمتد إلى منابع النشأة والتوظيف. فالدعم السريع صنيعة البشير التي ترعاها اليوم الإمارات لأجندات إقليمية، بينما الحركات المسلحة هي امتداد مباشر لمشاريع القذافي التخريبية التي أراد بها تقويض استقرار السودان. كلاهما أدوات بيد الخارج، يتلاعبون بخرائط الدم والسيادة كما يشاؤون، أما المواطن السوداني عامة، والدارفوري خاصة، فليس له سوى حصته من القتل والتهجير والتجويع.
لم يكن مستغربًا أن تتحول دارفور إلى مرادف للعنف والانفلات، بل إلى “ملعب مفتوح” لدعاة الانفصال والمشاريع التقسيمية، فحينما تحتكر المليشيات المشهد، يغدو تفكيك الوطن مجرد تحصيل حاصل. هذا ما يدركه المواطن الدارفوري اليوم، الذي بات بريئًا من شعارات الحركات المسلحة كما هو بريء من جرائم الدعم السريع، لكنه يظل يدفع الثمن وحده في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.
كل من يتحدث عن دمج هذه الحركات في الجيش دون أن يطالب بتفكيكها أولاً، يعيد إنتاج الأزمة لا حلها. فلا يُعقل أن يُبنى جيش وطني من ميليشيات لا تؤمن بالوطن، بل بالسلطة والمال وحدهما. إن المخرج الحقيقي يكمن في مشروع جذري يستند إلى ثلاثية واضحة: إرادة سياسية حقيقية لاستعادة السلاح إلى يد الدولة حصراً، وضغط دولي يوقف تمويل المليشيات من الإمارات وغيرها، وعدالة انتقالية صارمة تُنهي مهزلة مكافأة قادة المليشيات بمناصب وامتيازات على حساب دماء الأبرياء.
السودان الآن يقف أمام مفترق حاد: إما أن يختار مصير الدولة المدنية بجيش وطني موحد، أو يبقى غارقًا في لعبة العصابات المسلحة التي تتصارع على وطن يتآكل يوماً بعد يوم. هذا هو التحدي المصيري، ولا مكان بعد اليوم لشعارات الوطنية التي تُرفع على فوهات البنادق المرتزقة.
