السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارعندما يكشف الوسيط عن قناعه!.. بقلم أماني عبدالرحمن

عندما يكشف الوسيط عن قناعه!.. بقلم أماني عبدالرحمن

سودان تمورو

ليس جديداً على ترامب أن يخلط بين التحليل السياسي والوعيد العسكري، بين خطاب الزعامة ومراهقة التغريدات، لكنه هذه المرة تجاوز المألوف. تصريحاته الأخيرة عن غزة، والتي قال فيها إن “حماس لا تريد التوصل لاتفاق”، وأنها “تريد أن تموت”، لا تُقرأ بوصفها رأياً عابراً، بل إعلان موقف رسمي لصالح القتل، وتبرئة مسبقة لأي مجازر إضافية. بل الأسوأ: إنه يُطالب الضحية بأن تتخلى عن حقها في الدفاع عن نفسها أولاً، ثم تبحث في إمكانية العفو عنها لاحقاً. أيّ منطق هذا؟ وهل بات المطلوب من الشعوب المحتلة أن تموت بصمت كي تُرضي “العدالة الأمريكية”؟

ما قاله ترامب ليس انحيازاً بسيطاً، بل فضيحة سياسية وأخلاقية. هو لا يكتفي بدعم طرف على حساب آخر، بل يذهب إلى حد الشماتة بالضعيف، واعتبار المقاومة نوعاً من الانتحار. هكذا ببساطة، تنقلب المعادلة: المعتدي يُبرّأ، والمقاوِم يُدان، والمجرم يُشفق عليه لأنه “أُجبر” على قتل المدنيين!

ولأن المصادفة لا تحكم السياسة، فإن تزامن تصريحاته مع نداء سموتريتش لوقف “مراسم التفاوض المذل” يؤكد أن اللعبة مكشوفة. إسرائيل لا تريد اتفاقاً، بل اغلاق الملف الفلسطيني نهائياً. وترامب – ومعه جزء كبير من الإدارة الأمريكية حتى في نسختها الحالية – لا يعملون كوسطاء، بل كمسوّقي انتصار زائف لا يتحقق إلا فوق جثث الأطفال وتحت ركام البيوت.

الوساطة الأمريكية لم تكن يوماً محايدة. إنها تزوّد إسرائيل بالسلاح، تغطيها في المحافل الدولية، وتحميها من أي مساءلة. ثم تطلب من الفلسطيني، الواقع تحت النار، أن يُظهر “تعقّلاً” ويقبل بـ”فرصة السلام”! أيّ سلام هذا؟ سلام قائم على نزع سلاح الطرف الأضعف، دون أي ضمانات لرفع الحصار، أو وقف العدوان، أو حتى الاعتراف بوجوده كطرف سياسي!

ترامب، الذي يبرّر الإبادة في غزة، كان أول من هلل لدعم أوكرانيا بالسلاح لأنها “تعرضت لغزو”. فلماذا تصبح ذات المعادلة إرهاباً في فلسطين؟ لماذا يُطلب من مقاومة الاحتلال أن تخجل من نفسها، بينما يُشاد بمقاومي روسيا وكأنهم أنبياء العصر؟ الإجابة واضحة: لأن هناك ضحية لا بواكي لها، وهناك قاتل تحميه واشنطن مهما اقترف من مجازر.

ثم يتحدثون عن التفاوض. عن أي تفاوض نتحدث؟ عن ذاك الذي تُقصف خلاله المستشفيات وتُدفن العائلات بأكملها تحت الأنقاض؟ عن جلسات في الظلام تُملى فيها شروط الظالم بينما يطالب الطرف الآخر بالسكوت والامتنان؟ المفاوضات الحقيقية لا تُعقد تحت النار. ولا تنجح مع طرف لا يرى في الآخر سوى مشروع فناء.

ترامب، في تصريحاته، لم يسقط القناع فحسب، بل مزّقه تماماً. لقد كشف أن “السلام الأمريكي” ليس سوى إعلان استسلام مكتوب بحبر القذائف. وأنه لا يرى في الفلسطينيين شعباً يستحق الحياة، بل عائقاً أمام “التمدد الإسرائيلي”. هذه ليست وساطة. هذه شراكة في الجريمة.

ومع ذلك، لا التاريخ ولا الشعوب تسير على أهواء الزعماء. فمنذ أكثر من سبعة عقود، لم تتوقف آلة القتل، لكنها لم تنتج أمناً. لأن الكرامة لا تُهزم. والشعوب لا تنقرض بالقصف. والمقاومة ليست خياراً حزبياً، بل فطرة من وُلد تحت الاحتلال.

نعم، لا تريد حماس هذا النوع من “الاتفاق”، لأنها ببساطة ترفض أن تُجرّد من أدوات البقاء ثم تُحاسب على رفض الانتحار. فهل بات الصمود جريمة؟ وهل بات الدفاع عن النفس موتاً مختاراً؟ أم أن من يُراد له أن يموت فعلاً، هو الحقّ نفسه، حين يُذبح كل يوم على مذبح “الوساطة الأمريكية”؟

لا سلام يُبنى على الإذلال. ولا تفاوض يُدار تحت تهديد الإبادة. وإن كان العالم قد اعتاد أن يصمت حين يُقتل الفلسطيني، فعلى الأقل، لا تطلبوا منه أن يوقّع على موته بيده.

تباً لعدالة تعتقل الضحية وتمنح الجلاد وسام السلام.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات