الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيصراع التنانين.. ومصير الفئران!.. بقلم احمد حسن

صراع التنانين.. ومصير الفئران!.. بقلم احمد حسن

سودان تمورو:

من يهن يسهل الهوان عليه، وما لجرحٍ بميتٍ إيلام. وهذا ما ينطبق تماماً على صورة روسيا في المشهد الدولي الراهن، بعدما باتت مواقفها تُستفز بعلانية لا يحسب أصحابها تبعاتها. فهل يُعقل أن يعلن دونالد ترمب، ببروده المعهود، أنه أمر بنشر غواصتين نوويتين في المناطق المناسبة قرب روسيا، دون أن ترتجف له شفة، أو يحسب لذلك عواقب؟! ما هذا الانقلاب في موازين الهيبة، وما هذا الانحدار في حسابات الردع؟ لقد كانت روسيا، لا سيما في عهد بوتين، تُرهب الغرب بالصمت، فكيف بها اليوم تُستثار بالألفاظ وتُتحدّى بالحشود؟!

تصريحات ترمب ليست استثناء ولا زلة لسان، بل هي حلقة جديدة في سلسلة من التصعيدات التي تعيد رسم خارطة النفوذ العالمي، خارج منظومة القانون، وبعيداً عن لغة الردع التقليدية. الولايات المتحدة، بما تمثله من قوة استعمارية حديثة، لا تزال تمارس هوايتها في التلويح بالقوة كمن يلوّح بسوطٍ في وجه خصمٍ مكبل. لكن المدهش أن روسيا، التي كانت حتى الأمس القريب رأس الرمح في توازن الردع، تبدو اليوم عاجزة حتى عن صياغة الرد المناسب، ناهيك عن ردع فعلي.

هذا الوهن الروسي الظاهر ليس بالضرورة مؤشراً على انهيار داخلي أو عسكري، ولكنه بالتأكيد يمثل اختلالاً في كيمياء القوة التي تحكم توازن الرعب. فهل هي مصيدة روسية تُخفي أنيابها؟ أم تراجع فعلي عن موقع الصدارة العالمية؟ التاريخ يقول إن الدب لا ينام طويلاً، وإن بوتين، الذي خبر دهاليز الاستخبارات أكثر مما خبر ساحات الخطابة، لا يقبل الإذلال السياسي بسهولة. لكن ما يُخيف هو أن تُفسر واشنطن هذا الصمت الروسي بأنه قبول بالأمر الواقع، فتتمادى أكثر، فتُفتح أبواب الجحيم النووي على العالم.

إننا لا نرثي روسيا هنا، ولا نذرف دموعنا على كبرياء القيصر، بل نرثي هذا العالم الذي صار ملعباً لحماقات الأقوياء، بينما الضعفاء – ومنهم نحن – مجرد أرقام في سجلات الكوارث المقبلة. لقد خُلقنا لنكون ضحايا في رواية لا تُكتب بأقلامنا، ولا تُقرأ بلغتنا، بل تُحفر بمدافع الغواصات وعقوبات البنوك. أمريكا وروسيا وجهان لعملة واحدة، كلاهما لا يتورع عن حرق نصف الكوكب لأجل بسط هيمنة على النصف الآخر. الأول يدّعي نشر الديمقراطية وهو يمارسها بالبارود، والثاني يرفع شعارات مقاومة الاستعمار وهو يحيي إرث القياصرة بلباس حديث.

وفي خضم هذا الصراع، أين العرب؟ بين المطرقة والسندان، بين التصفيق للمعتدي والتواطؤ مع المحتل، بين الصمت المخزي والتبعية العمياء. نحن، من بغداد إلى الخرطوم، ومن دمشق إلى طرابلس، لم نعد نعرف معنى الاستقلال، ولا نجرؤ على اتخاذ موقف متزن من جنون الكبار. نُستدعى إلى موائد التسوية كأننا شهود زور، وتُحسم معاركنا في غرف استخبارات الآخرين، بينما نُقصف نحن ويموت أبناؤنا، ويُعاد رسم خريطتنا بخطوط النفط وصفقات السلاح.

لقد آن الأوان أن نرفض لعب دور الفأر في صراع التنانين. لم نعد نحتمل أن نكون مجرد أدوات في مسرحيات لا نكتب نصوصها. نحتاج إلى وعي جديد، يرفض الاصطفاف وراء أي قطب، ويُعيد تعريف مصالحنا الوطنية على أسس الكرامة، لا على إملاءات القوى المتصارعة. نحتاج إلى قيادات لا تكتفي بالشجب، بل تسعى إلى امتلاك أوراق الفعل.

وختاماً، فإن تهديدات ترمب ليست مجرد رسالة إلى موسكو، بل إنذار إلى كل من لا يملك صوته في هذا العالم. من لا يمتلك أدوات الردع، سيظل تحت رحمة من يملك زر الإطلاق. والعبرة ليست في من يهدد، بل في من يُستباح. والعالم – للأسف – يتجه صوب حرب باردة جديدة، لكن بوقود أكثر هشاشة، وأطراف أكثر تهوراً.

فاحذروا… لأن التاريخ يُعيد نفسه، ولكن هذه المرة بلا حكماء، وبلا خطوط حمراء، وبلا من يردّ على صفعة بصفعة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات