الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةأهم الأحداثهل تعي الأحزاب معنى الخدمة؟

هل تعي الأحزاب معنى الخدمة؟

خاص سودن تمورو

في بلدٍ أنهكته الحروب وتكاد تنقطع فيه أنفاس الدولة من فرط الأزمات، لم يعد الشعب السوداني بحاجة إلى المزيد من المؤتمرات الصحفية، ولا إلى جولات من التراشق السياسي، بقدر ما هو في أمسّ الحاجة إلى جرعات فعلية من الأمل، تُضخ في شرايينه المنهكة. ومن قلب مدينة عطبرة، يخرج الحزب الشيوعي السوداني بمبادرة ليست فقط ذكية في مضمونها، بل أخلاقية بامتياز في توقيتها ودلالتها. مبادرةٌ تُعيد تعريف مفهوم السياسة بوصفها عملاً خدميًا، لا وظيفة انتهازية. فقد قدّم الحزب مقترحًا عمليًا لحل أزمة المياه الخانقة في المدينة، عبر تمويل شبكة طاقة شمسية لتشغيل المحطتين الرئيسيتين لضخ المياه، في استجابة مباشرة لحاجات الناس، بعيدًا عن الحسابات الأيديولوجية أو الحزبية الضيقة.

في لحظةٍ يتسابق فيها كثير من الأحزاب لكسب رضا السلطات أو انتظار حصصهم في “كعكة السلطة”، اختار الشيوعي السوداني طريقًا آخر: أن يكون حيث يجب أن يكون. بين الناس، في عمق مشاكلهم، مقترحًا لحلّ أزمة مزمنة بدل أن يُحيلها إلى سلاح دعائي. بهذا التصرف، أعاد الحزب لخطابه السياسي بعدًا ملموسًا، فأثبت أن الوطنية ليست شعارًا مكررًا في خطابات المناسبات، بل سلوكٌ فعليّ في زمنٍ جفت فيه ينابيع الفعل السياسي الشريف.

ترحيب وزير البنى التحتية بالمقترح يوضح أن الدولة ليست عدوًا بالضرورة، حين تأتي المبادرات من خارج عباءتها الرسمية. فالعمل الوطني الصادق لا يحتاج إلى ضوءٍ أخضر من السلطة كي ينطلق، بل يكفيه أن ينير طريق الناس بحلول قابلة للتطبيق. والمفارقة أن المبادرة لم تصدر من حزبٍ حاكم، ولا من جهةٍ مموّلة، بل من تنظيم معارض تقليدي، لطالما كان مستهدفًا بالإقصاء والتهميش. ومع ذلك، لم يضع الشيوعي وقته في جلد الحكومة، بل انشغل بكيفية إنقاذ المواطنين من أزمة خنقهم العطش، وهو بذلك يبعث برسالةٍ بليغة إلى كل الأحزاب: أن المعيار الحقيقي لأي تنظيم سياسي ليس ما يقوله، بل ما يقدمه من حلول على الأرض.

وإنه لمن المؤسف أن يكون هذا النوع من المبادرات هو الاستثناء لا القاعدة. فما الذي يمنع بقية الأحزاب من محاكاة هذا النموذج؟ هل انشغالها بالمناصب يعميها عن رؤية الأزمات المتفاقمة؟ أم أن معظمها فقد علاقته العضوية بالناس، وصار يتغذى فقط على خطاب المعارضة من أجل المعارضة؟ الحقيقة أن حزبًا صغيرًا بمبادرة صغيرة يمكنه أن يُحدث أثرًا كبيرًا، فقط إذا امتلك النية والإرادة. والسياسة، في أصلها، ليست إلا فن تحسين حياة الناس، أما من جعلوها فن المراوغة والوعود الكاذبة، فهم من أسهموا في انهيار الثقة العامة وانسداد الأفق الوطني.

إن ما فعله الحزب الشيوعي في عطبرة ليس مجرد مقترح فني لتوليد الكهرباء عبر الشمس، بل هو إعادة إشعال شمعة في عتمة الواقع السوداني المتردي. شمعة تقول إن بوسع الأحزاب أن تكون جزءًا من الحل لا من المشكلة، إن هي أرادت. شمعةٌ تفضح الذين يختبئون خلف “قلة الإمكانات” و”تعقيد المشهد”، لتبرير عجزهم المزمن. فهل تستيقظ الأحزاب من غيبوبتها، وتفهم أن بناء الوطن لا يكون بالبيانات فقط، بل بالمبادرات؟ وهل ستسمع وقع خطوات الشمس وهي تروي ظمأ العطشى، أم أن ضجيج الطموحات السلطوية سيظل يصم آذانها؟

في النهاية، لا حاجة للسودان اليوم إلى شعارات جديدة، بل إلى نماذج ملهمة، تزرع الأمل حيث جفّت الحناجر. وما فعلته عطبرة تحت راية الحزب الشيوعي هو تمامًا ما نحتاجه: سياسة تُشبه الحياة، لا تُشبه المنابر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات