خاص سودان تمورو
في زمن تتهاوى فيه القيم وتُسحق فيه المبادئ تحت أقدام المصالح العسكرية، تتفنن مليشيا الدعم السريع في ارتكاب أشكال جديدة من الإبادة، لم تعد تقتصر على القصف والنهب والاغتصاب، بل وصلت إلى تجفيف منابع الحياة ذاتها. إعلان غرفة طوارئ دار حمر في ولاية غرب كردفان بأن قوات الدعم السريع أغلقت جميع مصادر المياه الممتدة من شرقي النهود إلى مدينة الخوي، ليس مجرد خبر عابر في نشرة مأساة يومية، بل هو صرخة مدوية تكشف عن حجم الجريمة المتواصلة بحق المدنيين. حين يتحول العطش إلى أداة قمع، والماء إلى ورقة ضغط، فاعلم أن السودان قد دخل مرحلة الحرب بالماء، مرحلة التصفية غير المباشرة، مرحلة الموت بلا طلقات.
ما يجري لا يمكن وصفه إلا بأنه انتقام من شعب بأكمله. الكوليرا تنتشر، وأسبابها تتكاثر، والمليشيا لا تكتفي بالتخريب بل تُعمّق الجراح بقطع المياه عن العطشى، غير آبهة بموت الأطفال والمرضى وكبار السن. ما الفرق بين من يقتل برصاصة طائشة، ومن يترك المواطن ليصارع الكوليرا بلا ماء نظيف؟ إننا أمام جريمة مكتملة الأركان، تُدار بسياسة ممنهجة، لا عفوية فيها ولا “فوضى ميدانية”. وعلى من يزعمون أن هذه التجاوزات “خروقات فردية” أن يصمتوا، لأن صمتهم بات تواطؤًا، وتبريرهم صار شراكة في القتل.
أما حديث حميدتي عن حكومة موازية، فأشبه ما يكون بنكتة سوداء في مسرحية دموية. كيف يمكن لقائد لا يملك الانضباط داخل مليشيته، أن يتحدث عن حكم بلد؟ كيف يمكن لمن يترك جنوده يعبثون بمياه المواطنين، أن يُقدّم نفسه حاميًا للثورة أو صانعًا لمستقبل؟ أمامنا خياران لا ثالث لهما: إما أن يكون حميدتي عاجزًا عن ضبط عناصره، وبالتالي لا مكان له في أي معادلة سلطة، أو أن يكون هو من يدير خيوط هذه الجرائم، وهو بذلك يرتكب جناية سياسية وأخلاقية وإنسانية لا تسقط بالتقادم. في الحالتين، نحن أمام مشروع حكم ملوث بالدم، مغطى بتراب المقابر الجماعية، ومبني على جماجم العطشى.
السكوت الدولي على ما يحدث هو عار آخر. إذ لا يكفي أن تُدرج أسماء على قوائم العقوبات، ولا أن تُنشر تقارير ميدانية، إن لم تقترن بإجراءات حقيقية تردع المجرم وتوقف آلة الموت. فحين يُستخدم العطش سلاحًا، يجب أن يُعامل ذلك كما يُعامل القصف العشوائي والتجويع والحصار. هذه جرائم ضد الإنسانية، ويجب أن يُحاسب كل من يخطط لها أو يشارك فيها أو يتواطأ على استمرارها.
من النهود إلى الخوي، لا تسير القوافل ولا تُروى الأرض ولا تُغسل الأجساد، والناس هناك ليسوا أرقامًا في تقارير المنظمات، بل بشر يختنقون بصمت. إذا لم يتحرك الضمير الجمعي السوداني والدولي تجاه هذه الجرائم، فإننا نكون قد سلّمنا رقاب الأبرياء لحفنة من المتعطشين للسلطة والمال، ممن حولوا السودان إلى ساحة تجريب لأسوأ صنوف الانتهاكات.
الكوليرا لا تسأل عن القبيلة، ولا العطش يميز بين مؤيد ومعارض. إنها جريمة جماعية في ثوب صمت جماعي. فهل تبقى الأنهار شاهدة على ما جرى، أم أن وقت الحساب قد حان؟
