خاص سودان تمورو
إخضاع منسوبي القوات المساندة لقانون القوات المسلحة وإمرة قادة الجيش، كما أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ليس مجرد إجراء تنظيمي؛ بل هو قرار استراتيجي يمس جوهر الصراع في السودان. فقد أثبتت التجربة المريرة أن تعدد الجيوش داخل الدولة ليس سوى وصفة مؤكدة للانهيار، وأن وجود قوى مسلحة موازية للجيش النظامي يعني ولاءات متناقضة، ومشاريع متضاربة، ودوامات من الدماء لا تنتهي.
القرار يُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ذات السيادة، حيث لا سلطان على السلاح سوى للقانون، ولا قيادة عسكرية سوى لجيش موحّد. وهو في جوهره محاولة حاسمة لقطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة إنتاج “دعم سريع” جديد تحت مسميات مختلفة. لكن قيمة هذا القرار لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بمدى سرعة التنفيذ على الأرض، بدءاً من إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة كافة، وإعادة المدن إلى حضن مدنيتها. فلا معنى لجيش واحد إذا ظلّت البنادق مشرعة في الشوارع، والميليشيات تتحرك في قلب الخرطوم كأنها كيانات موازية.
ولكي ينجح القرار، لا بد من إرادة صلبة لدى القيادة العامة للجيش، تُغلِق الباب نهائياً أمام أي مساومات سياسية أو تفاهمات رمادية تسمح بوجود تشكيلات عسكرية خارج إطار المؤسسة النظامية. فقد علّمتنا التجربة أن أي قوة تُترك خارج السياج القانوني تتحول بمرور الوقت إلى تهديد وجودي، وأن التساهل مع منطق “الجيشين” أو “الشراكات المسلحة” ليس سوى وصفة لتكرار المأساة.
إن السودان أمام لحظة فارقة، إما أن يحسم فيها أمر التعددية العسكرية لصالح جيش وطني واحد، أو يظل أسيراً للفوضى ولعنة الانقسامات. القرار الذي أعلنه البرهان هو بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى سرعة وحزم، وإلى خطة عملية تُترجم على الأرض، بحيث يُطمأن الشعب السوداني أن زمن الميليشيات انتهى إلى غير رجعة.
الفرصة الآن سانحة لإعادة بناء الدولة على أسس صلبة، لكن التفريط فيها سيعني ببساطة إعادة إنتاج الكارثة. والتاريخ لن يرحم من يهدر هذه اللحظة الحاسمة.
