سودان تمورو:
في ذروة حربٍ استنزفت كل ما تبقى من أساطير القوة الإسرائيلية، يخرج تصريح وزيرة الاستيطان وعضو المجلس الأمني المصغر أوريت ستروك ليقول للعالم ببرود قاتل: “سأصوت لاستمرار الحرب ولو أدى ذلك إلى مقتل المخطوفين”. ليست هذه مجرد عبارة متطرفة عابرة، بل إعلان رسمي عن سقوط آخر قناع أخلاقي يحاول الاحتلال ارتداءه منذ عقود. فالدم – حتى دماء الإسرائيليين أنفسهم – يصبح وقودًا مشروعًا في ماكينة حرب لا ترى الإنسان، بل ترى الأرض والهيمنة و”بقاء الكيان” بأي ثمن.
المفارقة أن هذه التصريحات تتزامن مع تسريبات من داخل المجلس الأمني المصغر تتحدث عن إمكانية “استسلام حماس مع بداية العملية العسكرية المقبلة”. هنا تتجلى ذروة التناقض: كيف يمكن لمن عجز عن حسم المعركة بعد شهور طويلة من المجازر أن يتوهم استسلام خصم صمد في وجه آلة تدمير لا تعرف سقفًا؟ أليس هذا وهمًا استراتيجيا أقرب إلى الهذيان، يكشف مأزقًا وجوديًا أكثر مما يبشر بنصرٍ عسكري؟
وإذا كان الاحتلال يحاول الهروب إلى الأمام بالحديث عن “العمليات المقبلة”، فإن الحقيقة المرة تتسرب من قلب جيشه ذاته. مسؤول عسكري إسرائيلي يعترف عبر وكالة “أي بي سي” بأن هناك نقصًا يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف جندي. هذا ليس رقمًا عابرًا، بل علامة انكشاف خطير: مجتمعٌ استيطاني لم يعد قادرًا على توفير من يضحي بنفسه في سبيل مشروعه، فيلجأ إلى الشتات ليطلب من يهود العالم أن يأتوا ليقاتلوا معركة لا يؤمنون بها. إنها لحظة الانكسار الديمغرافي والعسكري التي تفضح هشاشة “الجيش الذي لا يُقهر”.
أما نتنياهو، الذي يُوصف بحق بأنه “أسوأ رئيس وزراء في تاريخ الكيان”، فهو ليس سوى قناع جديد للوجه نفسه. ارتكب المجازر في غزة ولبنان وسوريا، لكنه لم يخرج عن خط السكة التي سار عليها كل من سبقه: مشروع توسعي استيطاني لا يعرف إلا القتل والسيطرة. الخطأ الأكبر أن نتوهم في خصومه خيرا. فالتجربة أثبتت أن غانتس ولابيد وغيرهم ليسوا سوى نسخ مختلفة لذات الوحش، يختلفون في تفاصيل إدارة الاحتلال، لا في جوهره.
وما ينطبق على المشهد الإسرائيلي، يتكرر بصيغته الأوضح في واشنطن. ظن بعض العرب والمسلمين في أمريكا أن التصويت لترامب قد يوقف نزيف غزة بعد تماهي بايدن مع نتنياهو، لكن سرعان ما اكتشفوا أن السياسة الأمريكية تجاه الاحتلال ثابتة لا تتغير بتغير الرؤساء. بايدن أعطى الغطاء والدعم بلا حدود، وترامب أعلن أنه كان سيقصف غزة بشكل “أقسى”، وكامالا هاريس لم تكن سوى شريكة في التصفيق لهذه الجرائم. هم جميعًا – ديمقراطيون وجمهوريون – أوجه مختلفة لعملة واحدة، عملة الدعم المطلق للمشروع الصهيوني.
إن ما تكشفه هذه الحرب ليس قوة الاحتلال بل ضعفه، ليس صلابته بل تشققه من الداخل. التناقض بين تصريحات ساسته، عجز جيشه عن ملء صفوفه، هشاشة أسطورته أمام مقاومة محاصرة، وتماهي داعميه في الخارج… كلها علامات لا تُقرأ إلا كأعراض مرضٍ عضال بدأ يفتك بالجسد الصهيوني من الداخل.
الحقيقة التي يحاول الاحتلال طمسها أن كل إسرائيلي، ما دام جزءًا من هذه المنظومة، وما دام يعيش على أرض مغتصبة ويستفيد من جرائم جيشه، يظل في موقع المحتل، حتى إن حاول الادعاء بالعكس. ومن هنا فإن السقوط الأخلاقي والسياسي الذي نشهده اليوم ليس عرضًا جانبيًا، بل هو جوهر المشروع الاستيطاني نفسه.
إنها لحظة تاريخية تُعيد صياغة المعادلة: لم يعد الاحتلال سيد الميدان، ولم تعد آلة الدمار ضمانة بقاء، بل باتت دليلاً على اقتراب النهاية. فإذا كان الليل قد طال، فإن فجر الحرية آتٍ لا محالة، والحق لا يموت ولو توهمت الباطلة أنها خالدة.
