الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين لهيب الحرب ونور الضمير!

السودان بين لهيب الحرب ونور الضمير!

خاص سودان تمورو

في لحظة يخيّل للمرء أن كل شيء قد انهار، يخرج الشعب السوداني ليبرهن أن جذوة الخير لا تنطفئ مهما تكالبت الأزمات. ففي مسجد بحلفا الجديدة ارتفعت الأكف، وختم كتاب الله، وانسكبت الدعوات نصراً للجيش وفكاً لحصار الفاشر. لم يكن ذلك مجرد فعل تعبدي عابر، بل صرخة من عمق الضمير الجمعي، تذكير بأن هذا الشعب يستمد من روحه قوةً لا تنكسر، وأن الإيمان عنده ليس زينة للمجالس بل درع يواجه به قسوة الدنيا.

لكن ما أقسى المفارقة! ففي الوقت الذي يعلو فيه صوت الدعاء ويتجلى فيه الإيثار، تبرز وجوه أخرى مشوهة من جشع واحتكار وابتزاز للضعفاء. إيجارات تثقل كاهل النازحين، وأسواق تعج بالمحتكرين، وممارسات تجرّد اللحظة الوطنية من معناها. هي صورة مأساوية تكشف أن الحرب لا تفتك بالأرواح فقط، بل تحاول أن تفتك بالأخلاق أيضاً، فتجعل بعض القلوب حجراً يستثمر في آلام الآخرين.

غير أن السوداني، كما علّمنا التاريخ، لا يُقاس بأفعاله الشاذة في أوقات الانهيار، بل يُقاس بجوهره الأصيل. فمن يمد يده إلى التكايا، ومن يجود بماله كلما نودي لمبادرة، ومن يجمع التبرعات في الغربة بسخاء يدهش الدنيا – كما فعلت تلك الممرضة السودانية التي جمعت مئات الآلاف من الريالات في ساعات – إنما هو الامتداد الطبيعي لشعب جبل على الكرم والتكافل، لا على الأنانية والجشع. تلك ليست حوادث استثنائية، بل هي علامات على أن النهر العميق لا يزال يجري تحت الركام.

إن السودان يعيش اليوم صراعاً أعقد من مجرد حرب في الميدان. إنها معركة مزدوجة: معركة على الأرض بالسلاح، ومعركة في الضمير بالأخلاق. ولن يكتب الله لهذا الوطن نصراً حقيقياً ما لم يُحسم الصراع الثاني أولاً، لأن النصر العسكري الذي لا يتوج بقيم العدل والرحمة ليس إلا هزيمة مؤجلة.

الشعب السوداني يستحق أكثر من مجرد خطب رنانة أو وعود خاوية. يستحق نظاماً سياسياً يستلهم أخلاقه، لا أن ينهبها؛ نظاماً يصون تضحياته بدل أن يراكمها في سجلات النسيان. فليس من العدل أن يظل هذا الشعب العظيم، الذي لا يعرف إلا العطاء حتى في أقسى الظروف، أسيراً لدوامة الخراب والفشل.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات