سودان تمورو:
في تطور أثار موجة واسعة من ردود الفعل على المستويين المحلي والدولي، تعرضت قافلة مساعدات إنسانية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي صباح الأربعاء لقصف في مدينة مليط الواقعة شمال دارفور، وسط تبادل الاتهامات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بشأن المسؤولية عن الحادث.
مدينة مليط، التي تبعد نحو 65 كيلومتراً عن الحدود الليبية، تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع منذ أبريل 2024، وتُعد من أبرز المراكز التجارية التي تربط السودان بليبيا، وقد ازدادت أهميتها الاستراتيجية منذ اندلاع النزاع المسلح، لتصبح نقطة محورية في حركة التجارة والإمداد العسكري. ومنذ سيطرة الدعم السريع عليها، تعرضت المدينة لسلسلة من الغارات الجوية، كان آخرها يومي الخميس 14 أغسطس والأحد 17 أغسطس، قبل أن تُستهدف قافلة المساعدات يوم الأربعاء 20 أغسطس.
وفقاً لمصادر إذاعة دبنقا، أسفر قصف بطائرة مسيّرة انتحارية لسوق المراكيب في موقف ليبيا بمدينة مليط يوم الأحد 17 أغسطس عن مقتل شخصين، واحتراق عدد من المحال التجارية ومركبة، فيما أصاب صاروخ آخر صهريج وقود في حي المرابيع دون تسجيل إصابات بشرية. وفي حادث منفصل يوم الخميس 14 أغسطس، استهدفت طائرة مسيّرة عربتين عسكريتين في منطقة الزريبة، وأدت الشظايا إلى إصابة عدد من المدنيين.
إذاعة دبنقا وثّقت خلال عام وأربعة أشهر عشرات الحوادث التي أودت بحياة مدنيين وأدت إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية في مدينة مليط، بينما دأبت وسائل الإعلام المقربة من الجيش على نشر تفاصيل الهجمات الجوية على المدينة لحظة وقوعها، باستثناء حادثة قصف القافلة، التي بادرت قوات الدعم السريع بتوثيقها عبر تسجيل مصور.
وفي حادث مشابه وقع مطلع يونيو، تعرضت قافلة إنسانية مشتركة للقصف قرب مدينة الكومة شمال دارفور، ما أدى إلى مقتل خمسة من أفراد القافلة وإصابة آخرين، إضافة إلى احتراق عدد من الشاحنات وتضرر إمدادات إنسانية أساسية. وقد تبادل الجيش والدعم السريع الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجوم، ونشر كل طرف صوراً تظهر الشاحنات المحترقة. وتخضع مدينة الكومة لسيطرة قوات الدعم السريع، وتتعرض بشكل متكرر لهجمات جوية من قبل الجيش، كان آخرها الأسبوع الماضي.
التسجيل المصور الذي نشرته قوات الدعم السريع أظهر شاحنتين تشتعلان بالنيران، فيما تصاعدت منهما سحب كثيفة من الدخان، كما ظهرت شاحنات أخرى تحمل شعار برنامج الغذاء العالمي دون أن تتعرض لأضرار. ووفقاً للمتحدث في التسجيل، وقع الهجوم يوم الأربعاء 20 أغسطس عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، واستهدف مناطق أخرى داخل المدينة، مشيراً إلى أن القافلة دخلت عبر معبر الطينة الحدودي مع تشاد، الذي يخضع لسيطرة القوات المسلحة والقوة المشتركة.
عقب نشر التسجيل بساعات، أصدرت قوات الدعم السريع بياناً رسمياً اتهمت فيه الجيش السوداني بقصف قافلة إغاثية مكونة من 16 شاحنة، ما أدى إلى تدمير اثنتين منها أثناء وجودها داخل حظيرة الجمارك في مدينة مليط. وأشار البيان إلى أن الهجوم طال أيضاً سوق المدينة والنقطة الجمركية، وأسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى المدنيين. وطالبت قوات الدعم السريع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية بإدانة واضحة لهذا الهجوم، وفتح تحقيق عاجل لمحاسبة المسؤولين عنه، داعية إلى ممارسة ضغوط فورية لوقف ما وصفته باعتداءات الجيش على العاملين في المجال الإنساني.
في المقابل، نفى الجيش السوداني في بيان رسمي مسؤوليته عن الهجوم، واعتبر الاتهامات الموجهة إليه محاولة من قوات الدعم السريع للتغطية على ما وصفه بجريمتها في استهداف القافلة. وأكد البيان أن ما ورد في تسجيل الدعم السريع لا يعدو كونه “أكاذيب معتادة” تهدف إلى تضليل الرأي العام وتزييف الحقائق، متهماً قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق شملت السرقة والنهب والتخريب والقتل والاغتصاب، فضلاً عن حصار وتجويع سكان مدينة الفاشر واقتحام معسكرات النازحين في دارفور.
البيان أشار أيضاً إلى أن الحكومة السودانية، التي وافقت على فتح مسارات للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك معبر أدري الحدودي مع تشاد، لا يمكن أن تستهدف بأي حال من الأحوال قوافل الإغاثة الموجهة لصالح المواطنين.
من جهته، أدان قطاع العمل الإنساني في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) قصف القافلة الإنسانية في مليط، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع والجيش السوداني يواصلان استهداف الجهود الإنسانية، في تجاهل واضح للقوانين الدولية التي تحظر استخدام سلاح الجوع ضد المدنيين في النزاعات المسلحة، دون اكتراث بالأوضاع الإنسانية المتدهورة ومعاناة السكان المستمرة.
وتُعد الهجمات الجوية التي ينفذها الجيش على مدينة مليط جزءاً من استراتيجية تهدف إلى قطع خطوط الإمداد عن قوات الدعم السريع، إذ تمثل المدينة نقطة متقدمة للحصول على الوقود والعتاد العسكري من الحدود الليبية. وقد وثّقت سجلات الطيران عدداً من الرحلات لطائرات شحن إماراتية إلى مدينة الكفرة، بينما توقفت الرحلات الإماراتية إلى تشاد منذ ثلاثة أشهر. وتتهم الحكومة السودانية دولة الإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه الأخيرة بشكل متكرر.
في خطوة إنسانية تهدف إلى التخفيف من آثار المجاعة المتفاقمة في شمال دارفور، أعلنت حكومة إقليم دارفور بقيادة مني أركو مناوي يوم الاثنين الماضي عن وصول قافلة مساعدات غذائية مكونة من 17 شاحنة إلى محلية مليط، محملة بما يقارب 260 طناً من المواد الغذائية التي قدمها برنامج الغذاء العالمي. وأفادت السلطات أن هذه الكمية تكفي لتلبية الاحتياجات الغذائية لنحو 23 ألف شخص من النازحين والأسر المستضيفة، حيث سيتم توزيعها وفق خطة تشمل مناطق مليط والعباسي وصياح وأبوقو وأرمل، وذلك بعد أن تم تأمين طرق العبور من قبل الأجهزة الأمنية والقوة المشتركة.
في هذا السياق، وجّه عبد الباقي محمد حامد، المدير العام للرعاية الاجتماعية ومنسق الشؤون الإنسانية، نداءً إلى قوات الدعم السريع وكافة الأطراف المتحالفة معها، مطالباً بالالتزام بمبادئ العمل الإنساني والسماح بدخول القوافل الإغاثية إلى مدينة الفاشر لتقديم المساعدات الضرورية للسكان المتضررين.
وفي تطور ميداني خطير، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن إحدى قوافله، المؤلفة من 16 شاحنة محملة بمساعدات غذائية منقذة للحياة كانت متجهة إلى قرية الساية، تعرضت لهجوم قرب مدينة مليط، وهي منطقة تعاني من مستويات حادة من المجاعة. وأوضح البرنامج في بيان صحفي مقتضب أن ثلاث شاحنات تضررت واشتعلت فيها النيران، بينما نجا جميع أفراد الطاقم المرافق للقافلة. وأضاف البيان أن البرنامج يعمل بشكل عاجل على جمع معلومات إضافية حول ملابسات الحادث وتقييم تأثيره على عملياته الإنسانية في المنطقة.
ودعا البرنامج جميع الأطراف المنخرطة في النزاع إلى احترام القانون الدولي الإنساني وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني والمساعدات، مؤكداً أن استهداف العاملين الإنسانيين وممتلكاتهم يشكل انتهاكاً غير مقبول.
وفي رد فعل دولي، عبّر مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، عن إدانة الولايات المتحدة للهجوم الذي طال ثلاث شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي يوم الأربعاء في شمال دارفور، وأدى إلى إتلاف مواد غذائية كانت مخصصة للمتضررين من المجاعة. وجدد بولس، عبر تغريدة على منصة “إكس”، دعوته إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
كما أصدر وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي ووزير التنمية الدولية آسموند أوكروست بياناً مشتركاً عبّرا فيه عن استنكارهما للهجوم الذي استهدف قافلة مساعدات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي أثناء توجهها إلى مدينة مليط. وأوضح البيان أن القافلة كانت تحمل مساعدات منقذة للحياة، مشددين على أن استهداف العاملين الإنسانيين الذين يخاطرون بحياتهم لمساعدة المحتاجين أمر غير مقبول إطلاقاً. وأضاف البيان أن المجاعة في شمال دارفور هي نتيجة مباشرة للنزاع، وأن المنظمات الإنسانية مستعدة لتقديم الدعم لكنها تُمنع من أداء مهامها، داعين إلى وقف هذه الانتهاكات فوراً.
وأشار البيان إلى تقارير مقلقة من مدينة الفاشر، التي تخضع لحصار من قبل قوات الدعم السريع، موضحاً أن استمرار القتال، وغياب العاملين الدوليين في المجال الإنساني والصحفيين، إلى جانب القيود المفروضة على الإنترنت والاتصالات، يعيق وصول المعلومات من دارفور. وطالب البيان قوات الدعم السريع بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2736 بشكل فوري، ورفع الحصار عن الفاشر، والامتناع عن مهاجمة المدنيين، كما دعا جميع الأطراف المسلحة إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
وفي تعليق متخصص، أكدت الدكتورة منال عبد الحليم، الخبيرة في الشؤون الإنسانية، خلال مقابلة مع إذاعة دبنقا، أن تكرار الهجمات على القوافل الإغاثية يعقّد بشكل كبير مهمة إيصال المساعدات، خاصة في ظل إنكار الأطراف المتحاربة لمسؤوليتها عن هذه الانتهاكات، مما يجعل من الصعب تصنيف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها.
وأشارت إلى أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة “أوتشا” يبذل جهوداً منظمة لضمان خلو المساعدات من أي مواد محظورة وتأمين مرورها، إلا أن المخاطر الميدانية لا تزال مرتفعة. وكشفت أن أكثر ما يثير القلق هو ارتفاع عدد الضحايا في صفوف العاملين في المجال الإنساني، حيث قُتل ما لا يقل عن 120 شخصاً خلال العامين الماضيين، من بينهم أطباء وكوادر صحية وعاملون في النقل والتوزيع، ووصفت هذا الرقم بأنه مفزع وغير مسبوق، مشيرة إلى أن حتى مناطق النزاع الأخرى مثل غزة لم تشهد مثل هذا العدد خلال فترة زمنية قصيرة.
واختتمت منال عبد الحليم حديثها بالتأكيد على أن استمرار هذه الاعتداءات، إلى جانب تعرض المنظمات الإنسانية لعمليات ابتزاز من بعض الأطراف العسكرية، يشكل تهديداً حقيقياً لمستقبل العمل الإغاثي في السودان، داعية جميع الأطراف المتحاربة إلى تحمل مسؤولياتهم في حماية المساعدات الإنسانية، باعتبارها شريان حياة لملايين المدنيين الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية كارثية.
راديو دبنقا
