الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارقراءة لتصريحات "عقار"..الحرب لا تبني وطناً!

قراءة لتصريحات “عقار”..الحرب لا تبني وطناً!

خاص سودان تمورو

إنها ليست مجرد كلمات عابرة تلك التي نطق بها نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، حين قال إن ما أحدثته قوات الدعم السريع من دمار ممنهج في ولاية الجزيرة ومناطق أخرى قد قضى على أي فرصة لأن تكون هذه الرقعة جزءاً من السودان “مهما كلّف الأمر”. فالتصريح ليس جملة سياسية في معركة إعلامية، بل هو خلاصة تجربة رجل عاش عمره بين ميادين القتال، وتذوق مرارة السلاح قبل أن يدرك أن البندقية لا تُقيم دولة، ولا تحفظ وطناً، بل تفتته حجراً حجراً وتذيب نسيجه الاجتماعي كما يذيب النارُ الثلج.

المفارقة المؤلمة أن عقار نفسه قضى ما يقارب أربعة عقود في التمرد، وكانت قواته، مثل غيرها من الحركات المسلحة، سبباً في تعطيل الخدمات وتخريب البنى التحتية باسم النضال. واليوم، وبعد أن صار جزءاً من السلطة، يعترف أن الخراب لا يبني مشروعاً وطنياً ولا يصنع وحدة، بل يقتل حتى الفكرة ذاتها. هذا التحول يكشف حقيقة لا جدال فيها: التجربة، مهما طال الطريق إليها، تفرض على أصحابها أن يعترفوا بفشل خيار القوة.

إن الحرب لا تكتفي بإسقاط الأرواح، بل تمحو الذاكرة الجمعية وتقتلع عادات الناس وتقاليدهم من جذورها، وتحوّل المجتمعات إلى خرائب خالية من الأمل. حين تسقط المدارس والمستشفيات وتُهجر الحقول، لا يبقى للوطن سوى الأطلال، ولا للمواطن سوى الخوف. وكل من يرفع شعارات النضال أو المقاومة بالسلاح، عليه أن يدرك أن النار التي يشعلها لا تفرق بين صديق وعدو، بل تحرق الجميع.

حديث عقار، إذن، يجب أن يُقرأ كجرس إنذار لا كسجال سياسي. فإذا كان رجل عاش عمره بين فوهات البنادق يعترف بأن الحرب قد أحرقت حتى إمكانية وجود الوطن، أفلا يجدر بالآخرين أن يتوقفوا عن الرهان على الرصاص؟ السودان لا يحتاج مزيداً من الجيوش والمليشيات، بل يحتاج مشروعاً وطنياً للحوار، لوقف إطلاق النار الفوري، لنزع السلاح، ولإعادة بناء الثقة بين مكوناته.

إلى الساسة والقادة، في الحكومة والمعارضة، في الجيش والدعم السريع وكل الحركات المسلحة: إن صبر الشعب ليس حقلاً للتجارب، وإن الوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات. لقد آن الأوان لدفن لغة الحرب والبحث عن لغة السلام. آن الأوان لأن تُستبدل البندقية بالمنبر، والرصاصة بالكلمة، ومنطق الغلبة بمنطق المشاركة.

ولعل اعتراف عقار، بعد أربعين عاماً من خوض الحروب، يكون البوصلة التي تُرشد الجميع: إن الطريق المسدود الذي يقود إليه السلاح لا مفر منه سوى بالسلام. السودان لن يُبنى إلا حين يضع أبناؤه السلاح جانباً، ويختارون بإرادتهم أن يعيشوا في وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات