خاص سودان تمورو
لم يكن مشروع الجزيرة مجرد أرض زراعية تمتد على ملايين الأفدنة، ولا مجرد قنوات ري محفورة بعناية، بل كان عنواناً لنهضة وطنية ممكنة، ودرعاً منيعاً للسيادة السودانية، ومصدراً للكرامة الاقتصادية. إنه المشروع الذي تباهت به الإمبراطورية البريطانية، وورثه السودان المستقل ليكون قاعدةً صلبة للاكتفاء الذاتي ودعامةً من دعائم القوة الوطنية. غير أن أكبر خطأ ارتكبته حكومات السودان المتعاقبة كان التفريط في هذا المشروع العملاق، وكأنها أغمضت عينيها عن الحقيقة البديهية: أن الزراعة ليست قطاعاً اقتصادياً عادياً، بل هي صمام أمان الأمة وضمانة قرارها المستقل.
جاءت حكومات ما بعد الاستقلال مترددة، عاجزة عن صون المشروع وتنميته بما يواكب العصر، إلى أن وقعت الكارثة الكبرى في عهد حكومة الإنقاذ. تلك الحكومة التي رهنت الاقتصاد السوداني لبرميل النفط، فبنت أوهاماً على مورد لم تملك زمامه، وما إن ذهب الجنوب بانفصاله حتى انهارت أسطورة “الدولة النفطية” في ليلة وضحاها. كان المنطق يستدعي العودة إلى الأرض، إلى الجزيرة، إلى مصدر الثبات والخصب، لكن العمى الاستراتيجي دفعها إلى مطاردة السراب مرة أخرى عبر الذهب. فغرق الاقتصاد في دوامة المضاربة والفساد، وتُركت الأرض التي تمنح الحياة رهينة الإهمال والجفاف.
الحقيقة الصادمة أن من يملك قوته يملك قراره، وأن من يفقد زراعته يفقد سيادته. لقد برهنت التجربة أن النفط ينفد، والذهب ينهب، أما الأرض فإنها تمنح لمن يخدمها، وتثمر لمن يزرعها. والتاريخ شاهد أن الأمم التي أقامت مجدها على الزراعة المتينة هي التي صمدت أمام الأزمات، فيما تهاوت كيانات قامت على موارد ريعية عابرة.
اليوم، تعلن الحكومة عزمها على إحياء مشروع الجزيرة، وهو توجه نؤيده دون تردد، لكن التأييد وحده لا يكفي، فالرهان الحقيقي هو على الجدية. إن إعادة الروح إلى هذا المشروع لا تعني مجرد إعادة فتح قنوات الري أو توزيع البذور، بل تعني معركة شاملة لإعادة بناء اقتصاد منتج. إنها معركة تتطلب استثمارات مدروسة، وإدارة شفافة تقطع يد الفساد، وشراكة حقيقية مع المزارعين الذين كانوا دوماً عماد المشروع وروحه.
إن نجاح هذا التوجه يعني أكثر من إنعاش قطاع زراعي؛ إنه يعني استعادة السيادة الوطنية، وبعث الأمل في ريف ينتظر فرصة للحياة، وبناء اقتصاد يعيد للسودان مكانته الطبيعية كسلة غذاء المنطقة. أما الفشل فيعني استمرار النزيف، وبقاء السودان رهينة لتقلبات الأسواق وشروط الآخرين.
مشروع الجزيرة ليس مجرد مشروع زراعي ضخم، بل هو امتحان بقاء للأمة السودانية. فإما أن تستعيد عبره قرارها المستقل وتبني مستقبلها بيدها، أو تواصل انحدارها في مسار التبعية والتفريط. والسؤال الذي سيجيب عنه التاريخ: هل هذه المرة جادة الحكومة في إنقاذ الجزيرة، أم أننا سنشهد فصلاً جديداً من مسلسل الإهمال الذي دفع السودان ثمنه باهظاً؟
