سودان تمورو:
ما جرى في نيالا لا يمكن وصفه إلا باعتباره مسماراً جديداً يُدق في نعش الدولة السودانية، إذ أدى محمد حمدان دقلو “حميدتي” اليمين الدستورية رئيساً لما سُمّي بالمجلس الرئاسي لحكومة موازية شكّلها تحالف “تأسيس”. خطوةٌ صاخبة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها لا تعدو كونها فصلاً جديداً من مسرحية عبثية، كُتبت بدماء الأبرياء وأخرجت على أنقاض الخراب.
ثم ماذا؟ هل يظن من صاغ هذه اللحظة أن السودان كُسر لصالحهم، وأن التاريخ سيكتب أسماءهم على أنهم منتصرون؟ كلا، فالتاريخ لا يُكتب بالرصاص والدمار بل بالعقول والبناء، وما يُسجل اليوم هو عار سيلاحق كل من شارك فيه، لأنه لم يزد الوطن إلا تمزقاً فوق تمزقه. إن من يظن أن هذه الخطوة تمثل نصراً سياسياً، إنما يعيش وهماً خطيراً، فالحكومات الموازية لا تصنع دولة، بل تشرعن للفوضى وتؤسس للتقسيم.
لم تكفهم أنهار الدم التي سالت من الخرطوم إلى دارفور، ولم يكفهم تشريد الملايين وتجويعهم، حتى أصروا على استكمال المهمة: اغتيال ما تبقى من حلم هذا الشعب بوطن يتسع للجميع. لقد تحولت السلطة عندهم إلى صنم يُعبد، تُقدَّم له القرابين من أرواح الأبرياء ومستقبل الأجيال، بلا أدنى شعور بالذنب أو المسؤولية.
إنها العقلية ذاتها التي تتعامل مع السودان وكأنه إرث عائلي، أرضٌ موروثة من “جدودهم”، يتقاسمونها كما يشاؤون، لا باعتبارها وطناً له شعب وتاريخ وحق في الحياة. هذا المشهد في نيالا لم يأت فجأة، بل هو ثمرة مخطط طويل المدى، جرى حبكه في الخفاء سنواتٍ طوال، ويُكتب اليوم بدماء السودانيين فصله الأكثر قسوةً وظلاماً.
تشكيل حكومة موازية في ظل كيان الدولة الواحدة ليس إلا إعلاناً صريحاً بتصفية الدولة نفسها. هو خروج على مفهوم الوطن، وتكريس لسلطة السلاح على حساب شرعية الشعب، وفتحٌ لأبواب تقسيم جغرافي وسياسي يهدد بتمزيق السودان إلى أشلاء متناثرة. إنها ليست خطوة نحو المستقبل، بل انزلاق متعمد إلى قاع الهاوية.
ختاماً، ما حدث في نيالا لن يُقرأ في التاريخ إلا كعلامة سوداء، لحظةً تجرأ فيها البعض على دفن ما تبقى من وطن جريح باسم سلطة زائفة. قد يتوهمون أن اليمين الذي أُدي هناك بداية عهد جديد، لكنه في الحقيقة بداية النهاية لمشروعهم هم، وانتحار سياسي بأيدٍ ملوثة بالدماء. سيبقى السودان، رغم كل الجراح، أكبر من كل مشاريعهم الصغيرة، وسيأتي اليوم الذي يحاسب فيه الشعب كل من سوّلت له نفسه أن يطعن وحدته في مقتل.
