خاص سودان تمورو
القرارات الأخيرة التي أجازها رئيس الوزراء كامل إدريس، والقاضية بحصر تصدير الذهب عبر بنك السودان المركزي، وتفعيل دور قوات مكافحة التهريب، وإنشاء منصة رقمية لمتابعة حركة الواردات والصادرات، تبدو للوهلة الأولى محاولة جادة لإعادة الانضباط إلى شرايين الاقتصاد السوداني المنهكة. غير أن التمعن فيها يكشف أنها ليست سوى نسخة مكررة من وصفات جُربت طويلاً، فلم تُثمر سوى مزيدٍ من التهريب وتآكل قيمة الجنيه وانسداد الأفق أمام المنتجين والتجار على حد سواء.
إن مسألة احتكار البنك المركزي لتصدير الذهب تضع الاقتصاد في معادلة عبثية، حيث يُفرض على المنتج بيع ذهبِه بسعر أدنى من السعر العالمي، فيما يظل باب السوق السوداء مشرعاً يغريه بالهروب إليها. وهنا يتحول الذهب – الذي يفترض أن يكون قاطرة التنمية – إلى وقودٍ لاقتصادٍ خفي يبتلع العوائد ويُجهض أي إصلاح. وما يزيد الأمر سوءاً أن الاحتكار يقتل روح المنافسة ويُبعد الدولة عن فرص واقعية للاستفادة من مواردها بأسلوبٍ عقلاني.
أما الرهان على قوات مكافحة التهريب فهو سيفٌ ذو حدين. نعم، بين صفوفها كفاءات وطنية نزيهة، لكنّ التجربة تثبت أن بعض الأفراد حوّلوا مهمتهم إلى مصدر ثراء عبر التواطؤ مع المهربين أو غض الطرف عنهم، لتغدو مكافحة التهريب في حالاتٍ كثيرة جزءاً من المشكلة لا مفتاحاً للحل. وهنا تطرح الحقيقة نفسها بمرارة: كيف تُواجه آفة التهريب بذات الأدوات التي اخترقها الفساد؟
البديل ليس عسيراً لو كانت الرؤية أوسع من دائرة القرارات الأمنية والإجراءات الورقية. كان الأجدر بالحكومة أن تقتحم السوق بمنافسة عادلة، فتشتري الذهب من المنتجين بأسعارٍ موازية للبورصة العالمية، لا أن تُجبرهم على الخسارة. بهذا وحده يُصبح التاجر شريكاً في الاقتصاد لا خصماً يُطارَد، ويجد المنتج حافزاً حقيقياً للبيع عبر القنوات الرسمية. بل إن ربط هذه السياسة بغطاء نقدي جديد – حيث يُطبع الجنيه على أساس الذهب المصدر – سيُعيد للجنيه بعضاً من هيبته المفقودة، ويُغلق الباب أمام التضخم المنفلت الذي يلتهم دخول المواطنين بلا رحمة.
إن الاقتصاد لا يُدار بالقرارات العقابية والاحتكارية، بل بالثقة والحوافز والمنافسة الشريفة. فحين تُصِر الدولة على معاكسة قوانين السوق الطبيعية، فإنها تُشبه من يحاول إطفاء النار بالبارود، فلا تحصد إلا مزيداً من الاشتعال. السودان لا يحتاج إلى لجان طوارئ تُعيد إنتاج الفشل، بل إلى رؤية استراتيجية جريئة تُحوّل ثرواته من لعنةٍ تُنهب إلى نعمةٍ تُبنى عليها نهضة الوطن.
