سودان تمورو
لم يكن تصريح مات برودسكي، الخبير الأمني السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، مجرد ملاحظة عابرة أو تحليلاً أمنياً، بل كان بمثابة اعتراف خطير يكشف عمق العلاقة العضوية بين واشنطن وتل أبيب. حين قال إن إسرائيل حصلت على ضوء أخضر من إدارة ترمب لمهاجمة قطر تماماً كما حصلت على تفويض لاغتيال أسامة بن لادن في باكستان، فقد أزاح الغطاء عن حقيقة ظلت تُخفى خلف ستائر الدعاية: إسرائيل ليست كياناً مستقلاً يقرر مصيره بنفسه، بل هي أداة أمريكية متقدمة لتنفيذ أكثر المهمات قذارة في المنطقة.
إن من يظن أن إسرائيل تتحرك باستقلالية هو كمن يتوهم أن السيف يقاتل بلا يد تمسكه. الحقيقة أن اليد الأمريكية هي التي توجه الضربة، وأن إسرائيل ليست سوى الذراع الطولى التي تُمكّن واشنطن من تنفيذ أجندتها دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة. فالولايات المتحدة تتدثر بغطاء إسرائيل كلما أرادت تجاوز حدود السيادة أو خرق القوانين الدولية، وتدفعها إلى المسرح لتقوم بما لا يجرؤ البيت الأبيض على تنفيذه علناً.
تشبيه الضوء الأخضر للهجوم على قطر بما حدث في عملية اغتيال بن لادن ليس صدفة، بل رسالة صريحة بأن أمريكا لا تعترف بقداسة حدود ولا بحرمة سيادة، سواء كان الهدف خصماً معلناً كإيران أو حليفاً استراتيجياً كقطر أو باكستان. فالمعيار الوحيد هو المصلحة الأمريكية الضيقة، وما عداها تفاصيل قابلة للدوس.
قطر لم تكن “دولة مارقة” في نظر واشنطن وهنا يتجلى المعنى العميق: لا حصانة لأحد، حتى الحلفاء يمكن أن تُنتهك سيادتهم إذا اقتضت المصلحة ذلك .
هذه العلاقة التكافلية بين واشنطن وتل أبيب ليست جديدة، لكنها صارت أكثر وقاحة وفجاجة. إسرائيل تقدم نفسها كخادم مطيع ينفذ الاغتيالات ويقصف متى شاءت واشنطن، وفي المقابل تحصل على الحماية غير المشروطة والدعم العسكري والسياسي والاقتصادي بلا حدود. إنها صفقة “الإيجار السياسي” حيث تدفع أمريكا الثمن حمايةً ودعماً، بينما تتولى إسرائيل الأدوار القذرة التي تحافظ على المشروع الإمبراطوري قائماً.
في نهاية المطاف، ما تكشفه هذه الاعترافات أن مركز القرار الحقيقي هو واشنطن، وأن إسرائيل مهما بدت قوية ومتفردة فهي ليست سوى أداة مأجورة، تتحرك بأوامر سيدها وتُستخدم كلما احتاجت الإمبراطورية الأمريكية إلى ذراع ضاربة لا تعبأ بالقوانين ولا تحسب حساب العواقب.
