حاص سودان تمورو
يخوض السودان اليوم واحدة من أعقد وأخطر معاركه المصيرية، حربًا لا تُختزل في بنادق ومدافع، بل تتجاوزها إلى معركة هوية ووجود وسيادة. خطاب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل بدا وكأنه وثيقة سياسية تحدد ملامح مرحلة كاملة، قائمة على مبادئ الوطنية الصلبة ورفض الارتهان للخارج. حين يقول إن السودان يقاتل من أجل “عزة وكرامة الشعب السوداني”، فهو لا يخاطب الداخل وحده، بل يوجه رسائل إلى الإقليم والعالم مفادها أن هذه الحرب لا تُفهم في سياق نزاع داخلي فقط، بل في إطار مواجهة مشروع يهدد سيادة الدولة وكيانها.
إصراره على أن أي جهود لوقف الحرب يجب أن تضمن “الحفاظ على سيادة ووحدة البلاد وصون مؤسساتها الوطنية” يعكس وعيًا سياسيًا بخطورة المبادرات الدولية التي اعتادت أن تُدخل السودان في دوامة حلول ناقصة، سرعان ما تتحول إلى أزمات جديدة. بهذا المعنى، فإن سيادة السودان تُطرح هنا كشرط مسبق لأي تسوية، لا كورقة تفاوضية قابلة للمساومة. ولعل أكثر عباراته وقعًا كانت “لن نرهن سيادتنا لأي دولة مهما كانت علاقتنا معها”، إذ تختصر تاريخًا طويلًا من التدخلات الأجنبية التي مزقت النسيج السوداني وحولت قضاياه إلى أوراق ضغط في أيدي قوى خارجية.
لكن في موازاة هذه الصلابة، أظهر البرهان انفتاحًا محسوبًا حين تحدث عن “حماية ورعاية كل من يلقي السلاح وينحاز للصف الوطني”، وهو خطاب يزاوج بين الحزم العسكري والدعوة إلى المصالحة الوطنية. إنه يلوّح بالعصا، لكنه يترك باب العودة مفتوحًا، في رسالة إلى المقاتلين في الميدان بأن الخيار ما زال أمامهم للعودة إلى حضن الدولة.
غير أن السؤال المحوري يبقى: هل يكفي الخطاب الوطني السيادي لحل أزمة معقدة تضرب جذورها في السياسة والاقتصاد والمجتمع منذ عقود؟ تصوير الصراع بوصفه “حربًا وجودية” ضد مليشيا الدعم السريع يحشد الطاقات الوطنية، لكنه قد يُبسط أزمة مركبة لا يمكن تفكيكها بالقوة العسكرية وحدها. فالحروب مهما كانت مبررة تترك وراءها جراحًا عميقة، لا يلتئم بعضها إلا بحلول سياسية عادلة وبمشاريع تنموية تُعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إن ما يحتاجه السودان ليس فقط خطابات سيادية تُطمئن على الهوية الوطنية، بل أيضًا إستراتيجية متكاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، تضمن العدالة والمساواة وتمنع إعادة إنتاج الأزمات القديمة. فالمعادلة الحقيقية ليست بين السيادة أو الانفتاح، بل في كيفية تحقيق سيادة تحمي استقلال القرار الوطني، وتفتح في الوقت ذاته الباب أمام شراكات دولية لا تقوم على التبعية، بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إننا نؤيد البرهان في تأكيده على أن أساس أزمات السودان هو الارتهان للخارج، لكننا نضيف أن السيادة ليست مجرد رفض للتدخلات، بل هي القدرة على بناء دولة قوية من الداخل، تملك مؤسسات راسخة، واقتصادًا متماسكًا، وعقدًا اجتماعيًا يضمن كرامة كل مواطن. عندها فقط تتحول السيادة من شعار يُرفع في ميادين الحرب إلى حقيقة تُترجم في حياة الناس اليومية، في المدارس والمستشفيات والأسواق والقرى البعيدة.
السودان اليوم أمام مفترق طرق، والبرهان بخطابه رسم ملامح طريق وطني صلب، لكن عبور هذا الطريق يتطلب أكثر من صلابة في الموقف، يحتاج إلى رؤية شاملة تبني دولة تحترم نفسها من الداخل قبل أن تطالب العالم باحترامها من الخارج.
