خاص سودان تمورو
تتوالى فصول المأساة في السودان، وتتكشّف يومًا بعد يوم وجوه جديدة للانحدار الأخلاقي والعسكري الذي بات يحكم حياة المدنيين في دارفور. الفيديو الذي تحدث عنه حاكم الإقليم، مني أركو مناوي، والذي يُظهر إجبار أفراد من قوات الدعم السريع مواطنين على الغناء والرقص مع شقيقاتهم، ليس مجرد واقعة معزولة في ساحة حرب؛ بل هو مشهد يعكس بوضوح سقوطًا مدوّيًا للقيم الإنسانية، وتجسيدًا لمدى التوحش الذي بلغته آلة الحرب في السودان.
ما يدفع هؤلاء الأفراد للاستمتاع بإذلال المواطنين ليس سوى تجذّر عقلية الاستعباد والمهانة في وعي من لا يرون في الآخر إنسانًا كامل الحقوق، بل يرونه أداة للتسلية ووسيلة لتفريغ عقد النقص عبر استعراض القوة. إنها ليست فقط جريمة تعذيب أو انتهاك، بل حرب نفسية مكتملة الأركان، تُمارَس لإذلال المجتمع بأسره وكسر إرادته في مواجهة الاستبداد. حين يُجبَر إنسان على الرقص مع أخته تحت تهديد السلاح وأمام الكاميرا، فذلك يعني أن الهدف لم يعد السيطرة على الأرض، بل السيطرة على الروح والعرض والذاكرة الجماعية للشعب.
بين تحذيرات الجيش من مغادرة الفاشر بحجة حماية المدنيين من الابتزاز والتعذيب، وإصرار قوات الدعم السريع على أنهم يؤمّنون الخروج الآمن، تتكشف حقيقة مرة: أن المدني السوداني بات عالقًا بين مطرقة الخوف وسندان الوهم. فبدل أن يصبح الخروج من مدينة محاصرة طريقًا إلى النجاة، تحوّل إلى مصيدة يمرّ عبرها المواطن إلى أشكال جديدة من العذاب والإذلال.
إن ما يجري ليس مجرد انتهاك عابر يمكن تجاوزه بمرور الزمن، بل هو تدمير متعمد لآخر ما تبقى من تماسك اجتماعي في دارفور. حين يُستهدف العرض والكرامة، فإن المجتمع كله يُستهدف، وتُزرع في داخله ندوب لا تندمل، يتوارثها جيل بعد جيل.
ما يحدث اليوم في دارفور هو جرس إنذار لا يحتمل التأجيل. العالم مطالب بأن يرى هذه الجرائم كما هي: جرائم ضد الإنسانية تُرتكب على مرأى ومسمع الجميع. لا بد من تحقيق دولي عاجل، لا بد من محاسبة صارمة، لا بد من ردع يوقف هذا الانحدار قبل أن يبتلع ما تبقى من السودان. فالسكوت على مثل هذه الأفعال ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة ذاتها.
