الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالشين النافية في اللهجات العربية المعاصرة ... د. خالد محمد فرح

الشين النافية في اللهجات العربية المعاصرة … د. خالد محمد فرح

سودان تمورو
من الظواهر اللغوية البارزة التي تسم معظم اللهجات العربية المعاصرة، إدخال شين متطرفة في أواخر بعض
الألفاظ، وخصوصاً الأفعال، للدلالة على النفي عموما. ومثال ذلك قولهم مثلاً: كتبت للإثبات وما كتبتش للنفي، ورُحنا للإثبات وما رُحناش للنفي، وعندكم سيارة ؟ في صيغة السؤال لجماعة المخاطبين، ويكون الرد عليه في حالة النفي، لا ما عندناش، وهلم جرا.
وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة اللغوية، فاشية جداً وبوضوح، في معظم اللهجات العربية المعاصرة مشرقاً ومغربا، باستثناء معظم لهجات الجزيرة العربية والخليج والسودان، إلا أن من الملاحظ أنها لا وجود لها في اللغة العربية الفصحى، سواءً القديمة منها أو المعاصرة ، التي يُقال لها العربية المعيارية الحديثة MSA. والدليل على ذلك من القرآر الكريم – على سبيل المثال – هو قوله تعالى:
” وأضلَ فرعونُ قومَه وما هدى. “الآية رقم ٧٩ من سورة طه.
وبالطبع فإنه تعالى لم يقل: ” وما هداش ! “، جرياً على الاستخدام الدارج.
أما قولنا إن هذه الشين المتطرفة، تأتي في معرض النفي، فإن هذا هو الغالب فيها بصفة عامة. ذلك بأنها قد تأتي أحياناً في بعض لهجات بلاد الشام الكبرى، مثل فلسطين والأردن مثلاً، في معرض السؤال فقط، بدون أن تسبقها ما النافية حتى. وذلك في مثل قولهم: شفتش حسن ؟ بمعنى ألم ترَ حسناً، أو ما شفتَ حسن، كما يعبر الشخص السوداني مثلا. ويجوز ان تكون شفتش حسن في لهجات بعض بلاد الهلال الخصيب، هي مجرد اختصار واختزال للسؤال الكامل: ما شفتش حسن، بحذف اداة النفي.
لقد جاء في تفسير هذه الشين المتطرفة النافية في بعض المصادر، أنها مجرد اختصار لكلمة ” شيء “. فقالوا إن قولهم ما أعرفش مثلاً، معناها لا أعرف شيئا، وما اكلتش معناها ما أكلت شيئا وهكذا. وقد يبدو هذا التخريج صائباً ومقنعاً إلى حد كبير على كل حال.
كذلك جاء في تأصيل هذه الشين النافية المتطرفة أيضا، أنها عقابيل ورواسب بعض اللغات القديمة بالمنطقة العربية، كالآرامية السامية، وحتى السومرية غامضة الأصل حتى الآن.
مهما يكن من أمر، فإن وجود هذه الشين المتطرفة النافية، ضئيل جداً في عربية أهل السودان عموماً، ولكن ذرواً منها كان قد وصل إليها من جراء تأثير اللهجة المصرية غالبا.
بيد أننا لاحظنا أن اللهجة السودانية، قد اختطت مع ذلك، نهجاً مستقلاً وفريداً في بعض الصيغ والتراكيب التي تدخل فيها الشين النافية هذه. فعلى سبيل المثال، قول المصريين ” مش كده ؟ “، في معرض التساؤل، بمعنى: أليس كذلك ؟ أخذه السودانيون بكل تأكيد من المصريين، لأنهم كانوا يقولون في كلامهم القديم ” ما كدي ؟ ومو كدي ؟ الخ “، ولكن السودانيين اختصروا عبارة مش كده هذه في لفظة واحدة فقط بذات الدلالة هي: ” مُش ؟ ” بميم مضمومة تليها شين ساكنة. وبعضهم قد يشبعون ضمة الميم فتصير واواً سوية ” مُوش ؟ ” بمعنى: أليس كذلك أيضا. وموش الممطوطة هذه، هي أشبه بلغة الصبية والفتيات الصغيرات في المدن والحواضر، دون الأرياف والبوادي.
هذا، وللسودانيين عموماً مع هذه الشين النافية الدخيلة نسبياً على لهجتهم، مواقف طريفة أحيانا. فمنها أن أحد زوار مصر من السودانيين، قد دخل يوماً في مشادة مع أحد المصريين بأحد شوارع القاهرة. واستمرت ” الشَكلَة ” أو ” الخناقة ” في أمان الله، حتى إذا وصل الشجار إلى درجة أن قال المصري للسوداني .. وبتشتمني كمان ؟ أراد السوداني أن يرد عن نفسه تلك التهمة ” بالمصري بقى ” فقال له: ما شتمتتكش ! وهو يقصد ما شتمتكش، فترك المصري الخناقة وانفجر ضاحاً وقال له: بتقول ” بتؤول ” أيه ؟ قولها تاني كده ! فرددها السوداني تحت وطأة الغضب والانفعال، مضيفاً إليها تاءات وشينات أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، وانتهت الخناقة بسبب أن كلا المتشاجرين وجمهور المتفرجين الفضوليين، قد نسوا سبب الشجار، وبقوا مع معاظلة صاحبنا السوداني مع تلك الشين النافية اللعينة، التي أراد أن ” يتمنظر ” ويرتفع بها إلى مستوى الخطاب ، ولكنها خذلته مع الأسف !
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات