سودان تمورو:
يعيش السودان هذه الأيام حالة طوارئ قصوى بعد أن اجتاحت مياه النيل الأبيض عدداً من المناطق جنوبي العاصمة الخرطوم، أبرزها منطقة *أبو عشر العقليين*، في وقت حذرت فيه وزارة الزراعة والري من فيضانات خطيرة وغير مسبوقة على امتداد الشريط النيلي.
وأطلقت وحدة الإنذار المبكر بالوزارة **إنذاراً أحمر هو الثاني خلال 72 ساعة** شمل ست ولايات: النيل الأزرق، سنار، الجزيرة، الخرطوم، نهر النيل، والنيل الأبيض، داعية المواطنين إلى تجنّب الأماكن المنخفضة والوديان والطرق المعرّضة للغمر. وأوضحت أن التحذير يمتد من صباح الاثنين وحتى مساء الأربعاء، في ظل مناسيب مرتفعة لم يعتد عليها السودانيون في نهاية سبتمبر.
فيضان خارج التوقيت المعتاد
عادة ما تبلغ ذروة الفيضانات في السودان خلال أغسطس وحتى منتصف سبتمبر، لكن فيضان هذا العام جاء متأخراً. ويربط خبراء هذا الأمر بافتتاح سد النهضة الإثيوبي في 9 سبتمبر/أيلول، حيث تم تمرير كميات هائلة من المياه عقب الملء الكامل والاحتفال الرسمي، لتخفيف مستوى البحيرة.
وقال رئيس الجهاز الفني للموارد المائية بوزارة الزراعة والري صالح حمد، إن السد مرر يومياً ما بين **150 إلى 250 مليون متر مكعب** فوق الإيراد الطبيعي، مما رفع التصريف اليومي للنيل الأزرق إلى نحو **750 مليون متر مكعب** مقارنة بمتوسط 450 – 500 مليون في هذه الفترة. وبلغت الذروة 950 مليون متر مكعب قبل تشييد السد. وأكد حمد أن الأوضاع الآن “تحت السيطرة” بعد بدء تراجع الإيرادات وتنسيق مشترك مع الجانب الإثيوبي.
اتهامات وتحذيرات
لكن خبراء سودانيين يرون الصورة بشكل مختلف. المستشار القانوني لوزارة الري السابق أحمد المفتي أكد أن ما حدث “ينسف المزاعم بأن السد يحمي السودان من الفيضانات”، مشيراً إلى أن المياه تجاوزت فيضان عام 1988 بمتر ونصف. وطالب بفتح تحقيق عاجل حول الكارثة وتعويض المتضررين، بل دعا الخرطوم للمطالبة بإدارة مشتركة للسد أو بالأرض التي أُقيم عليها استناداً إلى اتفاق 1902.
في المقابل، يتمسك آخرون بفوائد سد النهضة، إذ يرى وزير الري السوداني السابق ياسر عباس أن التنسيق الفني مع أديس أبابا يمكن أن يجعل السد “كالسد العالي بالنسبة لمصر”، في إشارة إلى الفوائد الزراعية والكهربائية المحتملة.
غمر الأحياء الزراعية والسكنية
الفيضانات لم تقتصر على الخرطوم، بل امتدت إلى ولايات الجزيرة وسنار ونهر النيل. فقد غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ما اضطر مزارعين إلى سحب وحدات الطاقة الشمسية ومضخات الري. كما اجتاحت مياه النيل مناطق مثل *الشقيلاب، الكلاكلات، طيبة الحسناب، والعسال* في محلية جبل أولياء، حيث حاصرت الأحياء الطرفية وهددت مئات المنازل بالانهيار.
وناشدت غرف الطوارئ المحلية الشباب للمساهمة في رفع السواتر الترابية، فيما دعت السلطات المنظمات الدولية إلى تقديم مساعدات عاجلة تشمل خيام إيواء ومستلزمات طبية.
لحظات حرجة
تؤكد بيانات وزارة الري أن تصريف السدود السودانية بلغ مستويات قياسية: **730 مليون متر مكعب في مروي، 688 مليوناً في سنار، و613 مليوناً في الروصيرص**، بينما تجاوز تصريف جبل أولياء 130 مليون متر مكعب.
ومع استمرار ارتفاع المناسيب وتفاقم المخاطر، تبقى الأسئلة معلّقة: هل كان سد النهضة سبباً مباشراً في هذه الكارثة؟ أم أن سوء التنسيق والإدارة المائية بين الخرطوم وأديس أبابا هو ما حوّل الفيضان الموسمي إلى تهديد وجودي للسودانيين؟.
الجزيرة + وكالات
