الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيفخ "اللاحرب واللاسلم"!.. بقلم احمد حسن

فخ “اللاحرب واللاسلم”!.. بقلم احمد حسن

سودان تمورو

إن إقدام الإدارة الأميركية على تمديد الهدنة بشكل أحادي ومفتوح، بالتزامن مع الإبقاء على الحصار البحري والضغط الإستراتيجي الخانق، يفرض على المشهد السياسي حالة ضبابية بامتياز؛ فلا هي حرب شاملة تضع النقاط على الحروف، ولا هو سلام دائم يمهد لاستقرار حقيقي. ورغم أن هذا المشهد قد يُقرأ في طهران على أنه “انتصار سلبي” يعكس عجز واشنطن عن فرض نصر حاسم أو إحداث تغيير جذري، إلا أن هذه النشوة الإستراتيجية الخارجية سرعان ما تصطدم بواقع داخلي شديد التعقيد. فالتاريخ السياسي، والخبرة الإقليمية التي نراقبها عن كثب، تؤكد أن النجاح في صد العدو الخارجي لا يُترجم تلقائياً إلى كفاءة في الحكم، بل غالباً ما يُنتج فجوة عميقة بين متطلبات الأمن القومي والاحتياجات الأساسية للإدارة الوطنية.

ولعل التداعيات الأشد خطورة لهذه الهدنة المفتوحة تتجلى فيما يمكن تسميته بـ”تعليق الحكم”. ففي أوقات الحرب، يسهل على الدول إعلان التعبئة العامة وتوحيد الصفوف خلف القيادة، وفي أوقات السلام، تُشرع الأبواب للتنمية والتطوير وإعادة البناء. أما في برزخ “اللاحرب واللاسلم”، تُصاب عجلة الدولة بشلل إستراتيجي؛ إذ تتأرجح القيادة والبيروقراطية التنفيذية بين الاستعداد لمواجهة قد تندلع بغتة، أو التخطيط لسلام قد لا يجيء. هذا التعليق ينسحب فوراً على الاقتصاد، حيث تُعسكر الموازنات، وتتباطأ أو تتوقف المشاريع التنموية، ويدخل المستثمرون في غيبوبة الانتظار، ليصبح الاقتصاد الوطني والمواطن العادي ضحية لانعدام اليقين أكثر من كونهما ضحية للحرب ذاتها.

وما يزيد المشهد تعقيداً في الحالة الإيرانية هو التداعيات الأمنية التي قد تفرض قيوداً صارمة على حركة القيادة الجديدة وتواصلها المباشر مع مؤسسات الدولة، مما يُدخل النظام في حالة خطيرة من “الحكم المحجوب” أو “القيادة بلا رأس تنفيذي متاح”. هذا الواقع لا يعني بطبيعة الحال غياب القائد، بل يعني اتساع الهوة بين رأس الهرم الموكل باتخاذ القرار، وبين الجسد التنفيذي المطالب بالتطبيق. ونتيجة لذلك، تتأخر القرارات المصيرية، وتلجأ مؤسسات الدولة إلى الحذر المفرط والتهرب من المسؤولية، وتكثر التفسيرات المتضاربة للسياسات الرسمية. وفي ظل غياب الشفافية، تملأ الشائعات الفراغ، وتتحول أزمة الإدراك وانعدام الثقة الشعبي إلى خطر سرطاني يفوق في تهديده الأزمات الأمنية والعسكرية المباشرة.

في خضم هذا المشهد المعلق، يتمدد الاستقطاب الحاد داخل النخب السياسية بين تيار يتبنى خيار المواجهة والمقاومة، وآخر يميل نحو البراغماتية والتفاوض. وفي ظل غياب الحسم الميداني أو السياسي، يتحول هذا الاختلاف الديمقراطي أو النخبوي الطبيعي إلى صراع عدمي؛ حيث ينظر كل طرف للآخر ليس كمنافس سياسي يمتلك رؤية مغايرة، بل كتهديد مباشر لمستقبل البلاد وأمنها القومي. هذا التصدع الداخلي يبعث برسائل ضعف واضحة للخارج، ويفتح ثغرات يستغلها الخصم لزيادة ضغوطه، محولاً الخلاف الإستراتيجي العابر إلى أزمة شرعية تضرب صميم آلية صنع القرار في الدولة.

إن المفارقة الكبرى لهذه الهدنة تكمن في أن توقف دوي المدافع وتراجع الخصم قد يُعد نجاحاً لسياسة الردع، ولكنه يحمل في طياته تهديداً سياسياً دفيناً إذا لم تُدر عملية الانتقال ببراعة. فالدول لا تتآكل غالباً في ساحات المعارك المفتوحة أو على طاولات التفاوض الواضحة، بل تحترق وتنهار في تلك المسافة الرمادية الممتدة بينهما. الخطر الأكبر اليوم ليس في عودة الحرب، بل في “اعتياد” الدولة والمجتمع على حالة التعليق المسببة للشلل. ولتجاوز هذا المأزق التاريخي، بات لزاماً إعادة بناء وتفعيل مركز القيادة السياسية بوضوح، وإضفاء الشفافية على آليات صنع القرار، مع تحصين المسار التنموي من “العسكرة” الشاملة، وإدارة التباينات النخبوية بحنكة تمنع تحولها إلى معاول هدم. فالتحدي الحقيقي اليوم لم يعد يتمثل في مجرد خوض الحرب أو الجلوس للتفاوض، بل في كيفية النجاة من فخ “المنطقة الوسطى” ومنع التآكل البطيء والمميت لمؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات