الأربعاء, مايو 6, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارإبراهيم بقال.. بين عدالة الضحية ودهاء الدولة!

إبراهيم بقال.. بين عدالة الضحية ودهاء الدولة!

خاص سودان تمورو

لا تُخاض الحروب بالبندقية وحدها، بل بالكلمة والصورة، وبالرمز الذي يشعل المعركة أو يطفئها. في زمن الحرب السودانية المشتعلة، يطلّ اسم الإعلامي إبراهيم بقال لا كمقاتل في الميدان، بل كوجهٍ باهت لمعركة الدعاية التي خاضتها مليشيا الدعم السريع، قبل أن تنكشف حقيقتها المضللة على لسان أحد قادتها، حين أقرّ بأن بقال “لم يحمل سلاحاً ولم يطلق رصاصة واحدة”. تلك العبارة التي بدت محاولةً للتقليل من شأنه، جاءت في جوهرها اعترافاً صريحاً بانهيار سرديةٍ كاملة كانت المليشيا تحتمي بها لتخفي عجزها وتستدرّ تعاطفاً زائفاً.

الحرب كشفت أن التنظيمات القائمة على العصبية الضيقة لا تملك روح البقاء، إذ تلتهم أبناءها قبل أن يلتهمها أعداؤها. فـ”الدعم السريع” التي قامت على الولاء القبلي، لم تستطع أن تحتمل قيادات تنتمي لإثنيات أخرى، فكان الإقصاء والتصفية ثم الانهيار. ما حدث مع أبوعاقلة كيكل لم يكن مجرد انشقاق فردي، بل تحول استراتيجي قلب موازين القوى وأظهر أن الانسلاخ من المليشيا قد يكون أبلغ أثراً من القتال ضدها. فكل انشقاق هو رصاصة في صدرها، وكل هاربٍ منها مسمار جديد في نعشها.

لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه: كيف يجب أن تتعامل الدولة مع أمثال إبراهيم بقال؟ العدالة تقتضي أن يُحاسب كل من شارك في جرائم المليشيا، بالسلاح أو بالكلمة. أما منطق السياسة في زمن الحرب، فيرى في كل منشق فرصة لا بد من توظيفها. فالجيش حين يفتح ذراعيه للمنسحبين من المليشيا لا يمنحهم غفراناً، بل يستخدمهم كأدوات لتفكيك خصمه من الداخل. إنها براغماتية الضرورة لا ترف الرحمة، فكل انضمام جديد إلى صف الوطن يسرّع انهيار التنظيم المتمرد ويقوّض أركانه.

تلك هي المعادلة المعقدة بين حق الضحايا ودهاء الدولة. لا تناقض بين الدعوة إلى العدالة والترحيب المؤقت بالمنشقين؛ فالأولى تؤسس لمستقبل نظيف، والثانية تنقذ الحاضر من الانهيار. وما بينهما يقف الوطن جريحاً لكنه واعٍ، يعرف أن الانتصار لا يكون فقط في ساحة القتال، بل في كسب العقول والضمائر.

إبراهيم بقال اليوم أمام مرآة الوطن، لا مرآة الهاتف التي طالما ظهر من خلالها. لقد انتهى زمن الصور المنمقة، وحان وقت الأفعال. إن أراد أن يثبت توبته، فليكن صوتاً للبناء لا أداة دعاية، وليكفّر عن ماضيه بعملٍ صادق يضيف إلى مشروع الدولة لا إلى أرشيف الفتنة. الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المترددة ولا إلى وجوه تبحث عن الأمان في الرمادية؛ يحتاج إلى رجال يضعون الطين فوق الطين ليبنوا، لا ليبرروا.

فهل يكون بقال واحداً من هؤلاء؟ أم سيبقى أسيراً لظلّ دعائي تهاوى مع أول هزيمة فكرية للمليشيا؟ الأيام وحدها ستجيب، لكن التاريخ علّمنا أن المترددين لا يصنعون أوطاناً، وأن الخيانة لا تُغسل بالتصريحات، بل بالفعل الصادق في ميادين الإعمار.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات