سودان تمورو
لم تكن المفارقة أن يقف ملك بريطاني أمام الكونغرس الأميركي؛ فالتاريخ، حين يبلغ ذروة السخرية، يعرف كيف يعيد ترتيب المشهد على نحو يربك الذاكرة والرموز معاً.
المفارقة الأعمق أن يبدو هذا الملك، الآتي من أقدم مؤسسة وراثية في الغرب، كأنه يذكّر الجمهورية الأميركية بما توشك أن تنساه: أنّ السلطة ليست ديمقراطية لمجرّد أنها خرجت من صندوق اقتراع، وأنّ الدولة لا تكون عظيمة حين تختزل نفسها في مزاج رجل واحد، وأنّ الإمبراطوريات لا تبدأ أفولها حين تخسر معركة، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين القوة والشرعيّة، وبين التفويض الشعبي والاستبداد المنتخب.
في خطابه أمام الكونغرس، لم يكن الملك تشارلز الثالث ضيفاً ملكيّاً يبادل واشنطن المجاملات، ولا رمزاً بروتوكوليّاً جاء ليمنح “العلاقة الخاصة” بين بريطانيا والولايات المتحدة جرعة إضافية من التلميع.
كان، برهافة محسوبة، يضع يده على الجرح الأعمق في الجسد الغربي كلّه. لم يذكر ترامب بالاسم، ولم يدخل في سجال مباشر مع الإدارة الأميركية، ولم يغادر حدود اللياقة الدبلوماسية التي تفرضها المؤسسة الملكية البريطانية؛ لكنه قال ما يكفي كي يفهم من يريد أن يفهم، وكي يلتقط القلق من يعرف أنّ اللغة السياسية أحياناً تبلغ أقصى حدّتها حين تتخفّف من الصراخ.
تحدّث تشارلز عن الماجنا كارتا، وعن الضوابط والتوازنات، وعن السلطة التنفيذية المقيّدة بالقانون، وعن الكونغرس بوصفه ساحة تداول لا امتداداً لإرادة فرد واحد، وعن التحالفات، والناتو، وأوكرانيا، وخطر الانعزال.
كلّ عبارة بدت كأنها سهم مكسو بالحرير: لا يجرح البروتوكول، لكنه يصيب المعنى في الصميم. ولم يكن غريباً أن تتوقّف صحف غربية، وفي مقدّمتها الغارديان، أمام هذه الإشارات بوصفها رسائل غير مباشرة إلى الترامبية، لا مجرّد استدعاءات تاريخية في خطاب ملكي.
التاريخ مرآةً لا زينة
لم يكن استدعاء الماجنا كارتا تفصيلاً بلاغياً عابراً، ولا مجرّد زينة تاريخية في خطاب ملكي. فالوثيقة التي وُلدت في إنكلترا عام 1215 لتقييد سلطة الملك، حضرت هذه المرة على لسان ملك بريطاني أمام ممثّلي الجمهورية الأميركية لتقول، بطريقة شبه ساخرة، إنّ الخطر اليوم لا يأتي من تاج لندن، بل من نزعة التاج غير المعلن في البيت الأبيض.
كأنّ التاريخ يدور دورته الأغرب: الملك يذكّر الجمهورية بأنّ السلطة المطلقة فساد مطلق، وأنّ الحاكم، أياً كانت شرعيّته الانتخابية، لا يصبح فوق القانون لمجرّد أنه فاز بأصوات الناخبين. بل لعلّ المفارقة الأكثر قسوة أنّ الجمهورية التي وُلدت، في جانب من سرديتها المؤسسة، من التمرّد على التاج البريطاني، تجد نفسها اليوم في حاجة إلى ملك بريطاني يذكّرها بأنّ جوهر الديمقراطية ليس الانتصار في الانتخابات وحده، بل قبول القيود، واحترام المؤسسات، والخضوع لمنطق القانون.
هنا تكمن أهمية الخطاب. فهو لا يستمدّ قيمته من شخص تشارلز وحده، ولا من بريق التاج، ولا من الحنين إلى تحالف أنجلو ـــــ أميركي قديم، بل من اللحظة التي قيل فيها.
الولايات المتحدة، التي قدّمت نفسها لعقود بوصفها الحارس الأعلى للديمقراطية الليبرالية، تقف اليوم أمام امتحان داخلي شديد القسوة: رئيس يتصرّف بمنطق التفويض المطلق، مؤسسات تكافح كي تحافظ على قدرتها على الكبح، انقسام سياسي وثقافي يمزّق المجتمع، ونزعة انعزالية تشكّك في التحالفات التي قامت عليها الهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ترامب عرضٌ لمرض أعمق
سيكون من السهل اختزال الخطاب في كونه رسالة غير مباشرة إلى ترامب. غير أنّ ذلك، على وجاهته، لا يكفي. فترامب ليس أصل المرض كلّه، بل عرضه الأكثر فجاجة وصخباً. إنه الاسم الشخصي لمرحلة دخلت فيها الإمبراطورية الأميركية طور الارتباك بين قوتها العسكرية الهائلة وعجزها السياسي المتزايد، بين نفوذها المالي العالمي وتآكل صورتها الأخلاقية، بين قدرتها على إشعال الحروب وفرض العقوبات، وفشلها في إنتاج نموذج داخلي قادر على إقناع حلفائها قبل خصومها.
الترامبية، بهذا المعنى، ليست مجرّد نزوة انتخابية عابرة. إنها تعبير عن تحوّل أعمق في بنية القوة الأميركية: من دولة مؤسسات إلى دولة زعيم، ومن تحالفات استراتيجية إلى صفقات شخصية، ومن خطاب كوني يدّعي الدفاع عن القيم إلى خطاب قومي ضيّق لا يرى العالم إلا من ثقب المصلحة الفورية. وهي، قبل ذلك كلّه، علامة على أنّ المؤسسة الأميركية التي طالما تفاخر الغرب بصلابتها لم تعد قادرة على إخفاء تصدّعاتها.
لهذا بدا حديث تشارلز عن الضوابط والتوازنات أكثر من استدعاء دستوري مهذّب. كان تذكيراً بأنّ الديمقراطية لا تموت دائماً تحت جنازير الدبابات، بل قد تتآكل من الداخل حين يتحوّل التفويض الانتخابي إلى رخصة لتطويع الدولة، وحين تصبح المؤسسات مجرّد عقبات في طريق “إرادة الزعيم”، وحين يتراجع القانون أمام سياسة المزاج والغضب والانتقام.
حلفاء يخافون من قائدهم
في أحد مستوياته العميقة، كان الخطاب تعبيراً عن خوف الحلفاء من أميركا بقدر ما كان احتفاءً بوحدة الغرب. فبريطانيا لا تخاطب واشنطن من موقع الندّية الصلبة، ولا تملك، كما كانت في زمن الإمبراطورية، أن ترسم للعالم خرائط النفوذ. لكنها تملك خبرة الدولة القديمة التي تعرف أنّ الإمبراطوريات لا تُدار بالصخب وحده، وأنّ الحلفاء لا يبقون حلفاء إذا تحوّلوا إلى رهائن لمزاج الرئيس الأميركي.
من هنا، جاءت إشارات تشارلز إلى الناتو وأوكرانيا والتحالفات وكأنّها محاولة بريطانية لإبقاء الولايات المتحدة داخل الهندسة الغربية التقليدية. وقد وضعت رويترز الزيارة والخطاب في سياق توتر مكتوم بين ضفتي الأطلسي حول أكثر من ملف، من أوكرانيا إلى إيران، بما يجعل المجاملة الملكيّة غطاءً رقيقاً لقلق استراتيجي أعمق.
الخوف الحقيقي في لندن وبرلين وباريس وبروكسل ليس من اختلاف عابر مع البيت الأبيض، بل من أن تتحوّل واشنطن من مركز قيادة للغرب إلى مصدر اضطراب داخله. ما الذي يبقى من “العالم الحرّ” إذا كانت قوته الأولى تشكّك في تحالفاتها؟ وما الذي يبقى من الأطلسي إذا صارت التزاماته رهينة المساومة؟ وما الذي يبقى من القيادة الأميركية إذا بات الحلفاء ينتظرون نتائج الانتخابات لا بوصفها تداولاً طبيعياً للسلطة، بل بوصفها استفتاءً على بقاء النظام الدولي الذي عاشوا في ظلّه؟
دبلوماسية الحرير
نجاح تشارلز لم يكن في أنه واجه ترامب، بل في أنه لم يحتج إلى مواجهته. خاطب نرجسية الرئيس بما يكفي من المجاملة كي لا يغلق أذنيه، ومرّر رسائله بما يكفي من الحذر كي لا يسقط في فخّ الصدام. تلك هي دبلوماسية المؤسسة القديمة: لا تصرخ، لكنها لا تصمت؛ لا تكسر البروتوكول، لكنها تستخدمه كستار لعبور المعنى.
ولهذا بدت بعض عباراته وكأنها مكتوبة على حافة السكين. كلّ شيء فيها محسوب: التاريخ حاضر، لكن بلا وعظ مباشر؛ التحالفات حاضرة، لكن بلا اتهام؛ الخطر حاضر، لكن بلا تسمية؛ ترامب حاضر في المعنى، وإن غاب عن اللفظ. كانت براعة الخطاب في أنه منح الحاضرين فرصة التصفيق لما لا يستطيع كثيرون قوله صراحة: أنّ أميركا لم تعد تخيف خصومها وحدهم، بل تربك حلفاءها أيضاً.
غير أنّ الاحتفاء الغربي بالخطاب لا ينبغي أن يحجب حدوده. فالملك لا يصنع القرار الأميركي، ولا يملك إعادة واشنطن إلى رشد مؤسساتي بمجرّد خطاب، وبريطانيا نفسها ليست بريئة من تاريخ طويل من الهيمنة والاستعمار، ولا الملكية البريطانية فوق النقد. لكنّ قوة اللحظة لا تكمن في طهارة المتكلّم، بل في اضطراب المخاطَب. ما جعل الكلمات لافتة أنّ أميركا، لا بريطانيا، هي التي بدت في موقع من يحتاج إلى تذكير.
الديمقراطية حين تُحاكَم في بيتها
اعتادت الولايات المتحدة أن تخاطب العالم بلغة الوصي: تعلّم الشعوب معنى الديمقراطية، توزّع شهادات الشرعية، تعاقب من يخرج على هندستها، وتتحدّث عن القانون الدولي حين يخدم مصالحها، ثمّ تدوسه حين يعترض طريقها. لكنها اليوم تجد نفسها أمام سؤال معكوس: من يضبط القوة الأميركية إذا انفلتت من داخلها؟ من يحمي الدستور الأميركي من نزعة سلطوية تأتي عبر صناديق الاقتراع؟ من يمنع “أميركا أولاً” من أن تتحوّل إلى “أميركا وحدها”، ثم إلى أميركا في مواجهة حلفائها قبل خصومها؟
هذه هي المعضلة التي كشفها خطاب تشارلز. فالغرب لم يعد يواجه أزمة خصوم خارجيين فقط، بل أزمة نموذج داخلي. لم تعد المسألة في صعود الصين، ولا في صلابة روسيا، ولا في تمرّد الجنوب العالمي على الهيمنة الغربية وحدها؛ بل في أنّ المركز الغربي نفسه يتآكل من داخله، ويفقد شيئاً فشيئاً قدرته على الظهور كحامل لقيم يدّعي الدفاع عنها.
كيف يمكن لأميركا أن تحاضر على العالم في سيادة القانون بينما تبدو مؤسساتها في صراع دائم مع نزعة الرئاسة الإمبراطورية؟ كيف يمكنها أن تدعو إلى النظام الدولي بينما تتعامل مع التحالفات كأعباء مالية؟ كيف يمكنها أن تطالب الآخرين باحترام المؤسسات وهي نفسها تصطدم كلّ يوم بسؤال المؤسسة والزعيم؟ وكيف يمكنها أن تبقى مرجعية للديمقراطية إذا أصبح الملك البريطاني، بكلّ رمزية المفارقة، هو من يذكّرها بأنّ الجمهورية لا ينبغي أن تتحوّل إلى عرش انتخابي؟
خوف الغرب من نفسه
بهذا المعنى، لم يكن خطاب تشارلز مجرّد حدث بروتوكولي، ولا عظة ملكية في قاعة أميركية، ولا فصلاً جديداً من فصول “العلاقة الخاصة”. كان وثيقة كاشفة في زمن أفول طويل. لم يعلن سقوط أميركا، فالدول الكبرى لا تسقط بخطاب ولا تقوم بخطاب. لكنه أضاء لحظة شحوب في وجه الإمبراطورية: لحظة تحتاج فيها القوة الأعظم إلى من يذكّرها بأنّ عظمتها لم تقم فقط على الأساطيل والقواعد والدولار، بل على ادّعاء أنها محكومة بقانون ومؤسسات.
وربما لهذا بدا الخطاب تاريخياً. لا لأنه قال جديداً في الفكر السياسي، ولا لأنه قدّم رؤية استراتيجية غير مسبوقة، بل لأنه وضع المرآة أمام أميركا في لحظة قلقها. ملك بريطاني، بكلّ أثقال التاريخ الاستعماري والرمزية الوراثية، وقف في قلب الكونغرس ليقول للجمهورية الأميركية بلغة مهذّبة ومغلّفة بالتاريخ: احذروا من رجل واحد حين يتصوّر أنه الدولة، واحذروا من قوة عظمى حين تظنّ أنّ القوة تعفيها من الشرعية، واحذروا من إمبراطورية تنسى أنّ أول طريق السقوط يبدأ حين تتحوّل المؤسسات إلى ديكور، والقانون إلى تفصيل، والتحالفات إلى فواتير، والعالم إلى مسرح لنزوات الحاكم.
هنا، بالضبط، تنتهي المجاملة ويبدأ المعنى. فالخطاب لم يكن درساً ملكيّاً في الديمقراطية بقدر ما كان شهادة على خوف الغرب من نفسه. وحين يخاف الغرب من نفسه، لا يعود السؤال: ماذا قال الملك؟ بل يصبح السؤال الأشدّ إيلاماً: ماذا بقي من الجمهورية حين تحتاج إلى ملك يذكّرها بأنها جمهورية؟
كاتب صحافي مصري
