سودان تمورو:
بمداد من الدم والصبر والعتاد، سُطِّرت نصوص اتفاقية غزة، لترسم مشهداً لم يكن في حسبان آلة الحرب الصهيونية ولا أذيالها. لقد أثبتت المقاومة، مرة أخرى، أنها القوة التي تحول الهزيمة المتوهمة إلى انتصار متجذر في الأرض والإرادة. لم تكن هذه الاتفاقية منحة من محتل، بل ثمرة دماء سالت على ثرى غزة، ونتيجة حتمية لصمود شعب رفض أن ينحني للتهجير أو أن يستسلم لإرادة الإبادة.
لقد فشلت إسرائيل فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من أهدافها المعلنة. فتحت أنقاض البيوت المدمرة، برزت حقيقة ماثلة للعيون.. المقاومة لم تُهزم، وسواعدها لم تتراخ، وإرادة الشعب لم تتزعزع. لقد تحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر على صخرة العزيمة الفلسطينية. لكن الهزيمة الإسرائيلية لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت سياسية وأخلاقية أيضاً. لقد كشفت الحرب عن انهيار داخلي ينخر في جسد الكيان المحتل، فحالات العصيان في الجيش لم تكن هامشية، بل كانت تعبيراً صارخاً عن انهيار الروح المعنوية لجنوده. واحتجاجات ذوي الأسرى لم تكن مجرد مطالب إنسانية، بل كانت إدانة مدوية لسياسة عبثية تبادل القادة بالجنود. لقد انكشف الخواء في مجتمع لم يعد يتحمل ثمن أوهام أمنية بنيت على احتلال وإبادة.
وعلى المستوى الدولي، لم تعد جرائم الحرب الإسرائيلية قادرة على الاختباء خلف شعارات مضللة. لقد تحولت إسرائيل إلى كيان منبوذ في الضمير العالمي، حتى من قبل حلفائها التقليديين. فالحكومات الأوروبية وجدت نفسها مضطرة، ولو بشكل صوري، إلى إدانة الوحشية الإسرائيلية، في مؤشر على عمق التحول في المزاج الدولي. هذا الضغط الدولي، إلى جانب الانهيار الداخلي والإخفاق العسكري، هو ما دفع واشنطن وتل أبيب إلى توقيع الاتفاقية، ليس حباً بالسلام، بل إنقاذاً لما تبقى من هيبة مزعومة ومشروع يئن تحت وطأة هزيمته الذاتية.
في هذا المنعطف الحاسم، تقف المقاومة على أعتاب مرحلة جديدة تتطلب حكمة وصموداً. إن أي حديث عن نزع السلاح هو استدراج إلى فخ الخيانة والغدر. فالتاريخ الطويل مع الكيان المحتل لا يعرف معنى للعهود. وها هو حزب الله في لبنان يقدم النموذج الأبرز.. أن التمسك بالسلاح هو الضمانة الوحيدة لاحترام أي اتفاق، وأن القوة هي التي تفرض شروط الصمود والكرامة.
لن تنطلي أكذوبة الإعلام المضلل الذي يحاول ترويج وهم استسلام المنطقة واندثار المقاومة. إنها محاولة يائسة لدفن الحقيقة تحت ركام من التضليل. لقد ولّى زمن الهيمنة المطلقة، وولدت معادلة جديدة في المنطقة، تقول.. إن إرادة المقاومين قادرة على كسر أقوى الجيوش.
الفترة القادمة هي معركة إرادات بوسائل أخرى. إنها معركة البناء والتعزيز والوحدة. إن القدرة على تحويل مكاسب الصمود إلى واقع دائم هي التحدي الأكبر. والثقة وليدة بأن الحراك المقاوم، الذي أثبت قدرته على صنع المعجزات، قادر على كتابة فصله الجديد، فصلاً يكون فيه الشعب الفلسطيني هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تقرير مصيره. فدماء الشهداء لم تذهب سدى، بل رسمت طريق الحرية، وستظل شعلة تضيء درب النصر حتى التحرير.
