سودان تمورو:
يُعد الذهب اليوم الركيزة الأهم للاقتصاد السوداني، إذ يمثل المورد الرئيسي للعملات الأجنبية في ظل انكماش صادرات النفط وضعف القطاعات الإنتاجية. ومع ذلك، يشهد الواقع مفارقة موجعة: السودان ينتج كميات ضخمة من الذهب، لكن أكثر من 50% منها يُهرّب خارج القنوات الرسمية، ما يحرم الخزينة العامة من مليارات الدولارات سنويًا.
الذهب ثروة ناضبة لا تُستخرج مرتين، ولذلك فإن سوء إدارته اليوم يعني تبديد مستقبل البلاد غدًا.
أولاً: وقف التهريب وضمان التصدير المنظم
أصبح التهريب “اقتصادًا موازياً” في السودان، تديره شبكات تمتد من مناطق التعدين إلى الأسواق الخارجية. ورغم محاولات الحكومات المتعاقبة لضبطه، إلا أن غياب الرؤية المتكاملة في سياسة الصادر جعل الذهب فريسة سهلة للمضاربين والمهربين.
الحل لا يكمن في الاحتكار الحكومي الكامل الذي أثبت فشله سابقًا، ولا في التحرير الفوضوي الذي أضاع السيطرة، بل في نموذج “التصدير المنظم والمراقب”:
تتولى الحكومة عبر هيئة وطنية مستقلة تحديد الأسعار المرجعية والسياسات النقدية.
تقوم شركات خاصة مرخصة بعمليات التصدير الفعلية وفق لوائح دقيقة.
تُلزم جميع الشركات بإعادة حصائل الصادر عبر النظام المصرفي.
هذا النظام تطبقه غانا وتنزانيا بنجاح، حيث يُصدّر الذهب عبر شركات معتمدة تخضع للرقابة البنكية، مما قلل التهريب وزاد العائد الوطني.
ثانيًا: بناء احتياطي وطني من الذهب
من غير المقبول أن يظل السودان مصدرًا ضخمًا للذهب دون أن يمتلك احتياطيًا استراتيجيًا في بنك السودان. الاحتياطي الذهبي ليس مجرد رقم مالي، بل هو سند سيادي يعزز الثقة في الجنيه السوداني ويرفع القدرة التفاوضية للدولة في الأزمات.
ينبغي تخصيص نسبة محددة من الإنتاج أو من حصائل الصادر — لا تقل عن 20% سنويًا — لتكوين احتياطي دائم داخل البنك المركزي، على غرار ما تفعله روسيا وتركيا وتنزانيا. وجود هذا المخزون يمنح السودان أداة فعالة لموازنة السوق، وتثبيت العملة، ومواجهة أي تقلبات مالية عالمية.
ثالثًا: توجيه عائدات الذهب نحو التنمية المستدامة
أكبر خطأ اقتصادي هو استهلاك عائد الذهب في الإنفاق الجاري أو تمويل الاستيراد. فالذهب ثروة ناضبة يجب أن تتحول عائداته إلى ثروات متجددة.
يمكن وضع صندوق سيادي للذهب تُودع فيه نسبة من العائدات، تُستثمر في:
مشروعات الطاقة الشمسية لتقليل فاتورة الوقود المستورد.
الزراعة الحديثة لرفع الإنتاج والصادرات الحقيقية.
البنية التحتية والخدمات في مناطق التعدين لضمان التنمية المتوازنة.
بهذا تتحول موارد الذهب إلى قاطرة تنمية حقيقية، لا إلى “لعنة الموارد” كما حدث في دول أخرى.
توصيات تنفيذية لجهات صنع القرار
- تأسيس الهيئة الوطنية لتسويق الذهب
كجسم مستقل يخضع لرقابة البرلمان والبنك المركزي، يتولى الإشراف الكامل على عمليات الشراء والتصدير، ويعتمد نظام تتبّع إلكتروني لكل جرام ذهب من موقع الإنتاج إلى التصدير.
- تخصيص 20% من الإنتاج لبناء احتياطي ذهبي استراتيجي
يحتفظ به بنك السودان في خزائنه داخل البلاد، ليشكل قاعدة صلبة لدعم العملة الوطنية وضمان الاستقرار النقدي على المدى الطويل.
- إنشاء صندوق سيادي لعائدات الذهب
تُدار أمواله بشفافية واستقلالية، وتُوجّه حصريًا لتمويل مشروعات الطاقة الشمسية، الزراعة الحديثة، وتطوير التعدين الآمن بيئيًا، لضمان تحويل الثروة الناضبة إلى تنمية مستدامة ومتجددة.
الخلاصة: من ذهب تحت الأرض إلى نهضة فوقها
السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يواصل نزيف التهريب والضياع، أو أن يتحول إلى نموذج إفريقي ناجح في إدارة موارده المعدنية.
الطريق واضح: نظام صادر منظم، احتياطي وطني قوي، واستثمار رشيد للعائدات. حينها فقط يصبح الذهب أداة للنهوض لا مصيدة للفساد، وثروة تُبنى بها الأجيال القادمة لا تُستنزف أمام أعينها.
د. عبد الرؤوف قرناص
التيار
