سودان تمورو:
طيف أول:
لتسابيح العصافير التي رحلت، وما زالت تزعجها تأتأة القرار، لتناهيد الروح، وخفقة الأمل، وللكلمات العليّة، للضوء وللسنبلة وسرّ النهر الذي ما ملّ انتظار النسمة!!
وبيان اجتماع مجلس الأمن والدفاع حول الحديث عن الهدنة، بالرغم من أن المجلس حاول فيه تغليف الرفض بكلمات دبلوماسية ربت بها على كتف الحكومة الأمريكية شاكرًا، إلا أن محاولة الهروب من مواجهة حكومة ترامب تجعل حكومة البرهان تقع فعليًا في أتون هذه المواجهة التي تخشاها.
وبما أن أمريكا لا تنتظر شكرًا على مساعيها، بل تحتاج إلى موافقة على توقيع الهدنة التي طرحتها، والتي قيل إن توقيعها قريب جدًا حسب تصريحات مستشار ترامب مسعد بولس، إلا أن وزير الدفاع تجنّب الحديث عن الهدنة أو جهود مبادرة الرباعية لوقف إطلاق النار، وقال: إن المجلس شكّل لجنة للنظر في كيفية إنهاء المعاناة الإنسانية، وأكد استمرار الاستنفار والتعبئة العامة. وهذا تحديدًا يعني الرفض التام للهدنة وخطة إدخال المساعدات الإنسانية.
فالحكومة أرادت أن تقول إنها مستمرة في الحرب، وإن إدخال المساعدات أمر ميداني يعنيها ولا يعني الرباعية.
وفي أول رد فعل للولايات المتحدة الأمريكية، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الحكومة الأميركية “ملتزمة تمامًا” بإيجاد حل سلمي للصراع الدائر في السودان. وقالت خلال مؤتمر صحافي: نحن على تواصل منتظم مع شركائنا العرب، ونريد أن يصل هذا الصراع إلى نهاية سلمية، لكن الواقع هو أن الوضع الميداني معقد جدًا.
ولأننا نعلم أن الميدان الكيزاني لن يسمح للبرهان بالاستمرار، ظللنا نتحدث عن كيفية تنفيذ الهدنة لا مجرد الموافقة عليها، وعن التعامل مع الأرض كمستقبل لا الاتفاق كحل مرسل إليها. وهي النقطة المهمة التي لا يمكن تجاوزها إلا بقوة ثالثة. لذلك تحدثنا أن بحث الآليات الفنية واللوجستية التي تتم مناقشتها تريد أمريكا أن تضمن بها عملية التنفيذ للهدنة.
لذلك ربما قصد البرهان أن يخرج البيان ليوضح أن الوفد الذي أرسله إلى أمريكا ليتفاوض هو لسان الجيش، بينما مجلس الدفاع على الأرض يتحدث باسم نظام الإخوان. إذ ليس من الممكن أن يوافق البرهان على الهدنة عبر وفده هناك ولا يقبل نتائجها هنا!!
ومن قبل قلنا إن القيادة العسكرية ستظل تلقي خطابات الرفض إلى أن يتم إعلان الاتفاق. لذلك فإن البرهان يريد أن يصوّر نفسه أسيرًا لمجلس دفاع يتحكم فيه النظام لا الجيش.
فالبيان كأنه يضيء للولايات المتحدة الأمريكية لتنظر إلى الأرض: الجنرال يريد أن يقول “أنا أوافق، ولكن هذا هو الوضع الذي يجب أن تتعاملوا معه”. وهذا الخلل في كفتي المعادلة قد يجعل الإدارة الأمريكية تعدّ العدة لترتيب لهذه الفوضى.
فهذا الإعلان الصريح هو حجر يطرق النافذة الزجاجية لمكتب ترامب، الأمر الذي سيجعله يلتفت. وهنا لن يكون الحديث بعدها لمسعد بولس الذي استهلك نفسه في خطاب التطمين للشعب السوداني، بقدر ما سيكون لترامب.
ورفض الفلول للهدنة، بالرغم من أنه كان رفضًا دبلوماسيًا، إلا أنه جاء بزي عسكري. لكن أمريكا تجاوزت الرد الدبلوماسي، فقراءة البيان بلسان وزير الدفاع تفهمها واشنطن كتحدٍّ مباشر واستعداد للمواجهة بالفعل الآني الذي يجسده الرفض وردة الفعل الأمريكية.
إذن، الأمر لم ينته بعد، ولكنه يضع نقطة ويبدأ سطرًا جديدًا.
وبالرغم من أن كارولاين وصفت الوضع بالمعقد، إلا أنها قالت: سنواصل فيما بدأنا. أي أنهم مضطرون للتعامل مع هذا الوضع المعقد.
وفلول النظام البائد تريد أن يصل الأمر إلى طرق مسدودة حتى تستخدم أمريكا مفتاحها للحل، الذي ستتعامل فيه بطرق أخرى تُبعدهم وتُبعد معهم القيادات العسكرية. لذلك هي لا تريد حلًا سلميًا يمكن أن ينجو به غيرها.
فما يحدث الآن يكشف أن القيادات الإسلامية ترغب مليًّا في تدخل المجتمع الدولي في السودان، وليس العكس. لأن فرض الحل بالقوة يساوي بين كل الأطراف، ويضع القيادات العسكرية في خانة المعرقل لاتفاق الهدنة لا جزءًا منه.
ويهيئ أرض صراع لا يملك أحد قرارها. وهذا أقوى المبررات لكي تخطو أمريكا خطوة جديدة. فرفض الهدنة لا يعني نهاية الأمر، ولكن…!!
طيف أخير :
أمير قطر: آن الأوان لوقف الحرب في السودان والتوصل إلى حل سياسي يضمن وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
وهذا رأي أغلب حكام العالم في حرب السودان… إلا حُكامه!!
الجريدة
