الثلاثاء, أبريل 21, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارفي ظل هدنة مؤقتة.. الولاءات تتنازع ما تبقّى من السودان

في ظل هدنة مؤقتة.. الولاءات تتنازع ما تبقّى من السودان

سودان تمورو:

يتقاطع الصراع في السودان عند خط رفيع يفصل بين الحرب الداخلية والتنافس الإقليمي، لتتحول الخرطوم إلى مرآة تعكس سباق النفوذ بين قوى تتقاطع مصالحها فوق جراح بلد منهك. بين حسابات الذهب والسلاح، وتضارب المشاريع الإقليمية والدولية، تبدو الحرب أقرب إلى معادلة معقدة يختفي فيها صوت الوطن أمام ضجيج اللاعبين الكبار.

بالرغم من تعدد المبادرات التي طُرحت لإنهاء الحرب في السودان، إلا أن مسار الأحداث يكشف أن البلاد غدت مسرحا لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية أكثر مما هي ساحة لتصفية حسابات داخلية. فالمشهد السوداني، كما يصفه الدكتور حمية علي، لم يعد مجرد مواجهة بين جيش نظامي وميليشيا متمردة، بل تحول إلى مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين قوى خارجية تسعى لترتيب مصالحها في القارة الإفريقية. ويشير إلى أن القاهرة تتحرك بحذر لترتيب لقاء محتمل بين البرهان وحميدتي، لقاء قد يشكل منعطفا مفصليا في مسار الحرب أو شرارة جديدة لتفجيرها.

ويرى الدكتور الخبير الإستراتيجي لبناني علي حمية أن كل القوى المنخرطة في الصراع تدرك استحالة الحسم العسكري، لكن أيا منها لا يبدو مستعدا لوقف النار، لأن كلفة التراجع السياسي تفوق كلفة استمرار الحرب. ويوضح أن الولايات المتحدة تمارس نوعا من “البرود الاستراتيجي”، من خلال الاكتفاء بالدعوة لهدن إنسانية مؤقتة دون الانخراط في رسم حل سياسي شامل، بينما تتحرك الإمارات ضمن مقاربة مختلفة تسعى من خلالها للحفاظ على نفوذها عبر دعمها اللوجستي لقوات الدعم السريع.

ويعتبر أن هذه الهدن المؤقتة ليست سوى “استراحة محارب”، إذ إن غياب رؤية مشتركة لإنهاء الحرب يجعلها أشبه بفاصل مؤقت قبل موجة جديدة من القتال، خاصة مع تعثر الجهود الإفريقية السابقة في احتواء الفوضى.

ويضيف أن الخرطوم تحولت اليوم إلى نقطة التقاء لمشاريع متناقضة: مشروع غربي يسعى لإعادة تدوير النخب السياسية وفق صيغة تضمن استمرارية النفوذ، ومشروع إقليمي يهدف إلى توسيع دوائر السيطرة على حساب السيادة الوطنية. ويخلص إلى أن “من يملك السلاح يملك الوقت، ومن يملك الموارد يملك القرار، أما الشعب السوداني فهو الضحية الصامتة في معادلة دولية تبحث عن أرباحها فوق جثث الأبرياء”.

ويمتد تحليل الدكتور حمية إلى البنية الداخلية للدولة السودانية التي تآكلت تدريجيا، حيث يرى أن الأزمة لم تعد أزمة سلطة بل أزمة دولة فقدت مؤسساتها قدرتها على العمل. فالانقسامات العسكرية والولاءات المتعددة قادت إلى انهيار المنظومة الأمنية، وتحول الدعم السريع من ذراع مساعد للجيش إلى قوة مستقلة تتحرك بمنطق “المقاول العسكري” الذي يفرض شروطه على الدولة. كما جعلت سيطرته على مناجم الذهب في دارفور والنيل الأزرق منه لاعبا اقتصاديا قادرا على تمويل نفسه وشراء الولاءات، ما رسخ ازدواجية السلطة داخل السودان.

ويؤكد أن المشهد الأمني لم يعد محصورا داخل الحدود، بل أصبح ساحة صراع استخباراتي مفتوحة تتداخل فيها أدوار أطراف خارجية. فبعض القوى الإقليمية، كما يشير، تغذي الحرب عبر دعم غير مباشر للأطراف المتنازعة، سواء بتوفير السلاح أو بالمعلومات اللوجستية. ويضيف أن “الوجود الإيراني في المشهد السوداني ليس جديدا، لكنه عاد بقوة عبر بوابة التعاون العسكري مع الجيش، كرد على تمدد النفوذ الإماراتي والإسرائيلي الداعم لحميدتي”. أما واشنطن، فتتعامل مع الأزمة عبر ضغوط اقتصادية وإنسانية من دون أن تتورط ميدانيا، ما يجعلها لاعبا حاضرا بوزنه السياسي وغائبا عن تفاصيل المعركة.

ويشير الدكتور حمية – في تحليله لـ”الأيام نيوز” – إلى أن المبادرات السياسية المطروحة، سواء تلك القادمة من القاهرة أو من الاتحاد الإفريقي، تفتقر إلى الإرادة الجادة من الأطراف، لأن كل طرف يرى في التسوية السياسية خسارة لنفوذه الميداني. ويعتبر أن أي لقاء بين البرهان وحميدتي، إن تم، سيكون اختبارا لمستقبل الدولة السودانية، فإما أن يفتح باب تسوية واقعية تحفظ ما تبقى من التوازن، أو يتحول إلى مقدمة لانفجار جديد يدفع نحو التقسيم.

ويحذر من أن استمرار الحرب بهذا الشكل يقود إلى “انهيار تدريجي لمفهوم الدولة المركزية”، ما يجعل السودان عرضة لتكرار سيناريوهات ليبيا أو الصومال، حيث تتحول السلطة إلى كيانات محلية وزعامات قبلية تتعامل مباشرة مع الخارج. ويختم بالقول إن “الرهان الحقيقي اليوم هو في قدرة السودان على إنتاج معادلة أمنية جديدة، تجمع بين توحيد المؤسسة العسكرية وإعادة بناء الاقتصاد المنهار، لأن السلاح وحده لا يصنع الاستقرار”.

وإذا كان الدكتور حمية قد ركز على الداخل السوداني كبيئة مثقلة بالانقسامات، فإن العميد الركن هشام جابر، مدير مركز الدراسات للشرق الأوسط والعلاقات الدولية، يتوسع في مقاربة الصراع من زاوية إقليمية ودولية، معتبرا أن الحرب تجاوزت حدودها الوطنية. ففي تحليله لـ”الأيام نيوز”، يؤكد أن السودان بات ساحة مفتوحة لصراع متعدد المستويات، تتقاطع فيه مصالح دول الخليج وإيران والولايات المتحدة وروسيا والصين، في سباق غير معلن للسيطرة على الموارد، وفي مقدمتها الذهب الذي تحول إلى وقود للحرب ومصدر تمويلها.

العميد الركن هشام جابر، مدير مركز الدراسات للشرق الأوسط والعلاقات الدولية،

ويشير جابر إلى أن القرار في السودان لم يعد بيد الفاعلين المحليين وحدهم، إذ إن تعدد التدخلات الخارجية جعل الأزمة تفوق قدرة الأطراف السودانية على إدارتها. فالمبادرات الدبلوماسية التي تشهدها القاهرة أو جدة أو أديس أبابا، لا تعبر بالضرورة عن رغبة حقيقية في إنهاء الحرب، بل هي مساع لتثبيت مناطق النفوذ وضمان المصالح الاقتصادية والعسكرية. ويضيف أن اللقاء المرتقب بين البرهان وحميدتي لا يعني اقتراب التسوية، بل قد يشكل “استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من الفوضى”، لأن الصراع تحكمه معادلات معقدة من التحالفات المتغيرة، وكل هدنة لا تستند إلى توازن ميداني هي “تأجيل للمواجهة لا أكثر”.

ويمضي جابر في تفكيك جذور الأزمة، مشيرا إلى أنها تعود إلى عهد الرئيس المخلوع عمر البشير الذي فتح الباب أمام تدخلات إقليمية في بنية الدولة، عبر الاقتصاد أو من خلال بناء ميليشيات موازية للجيش. ومع سقوط النظام، فشلت المرحلة الانتقالية في تأسيس مؤسسات قادرة على إدارة التنوع السياسي والعرقي، ما فتح الباب أمام القوى الخارجية لملء الفراغ عبر تقديم دعم مالي وعسكري لطرفي النزاع.

ويرى العميد أن ما يجري اليوم هو انعكاس مباشر لصراع خليجي إيراني داخل الأراضي السودانية، فإيران تدعم الحكومة عبر قنوات عسكرية وأمنية، بينما تسند الإمارات قوات الدعم السريع ماليا ولوجستيا، في إطار مواجهة غير مباشرة بين محورين متنافسين على النفوذ. ويؤكد أن هذا النمط من “الحروب بالوكالة” بات السمة الأبرز في المنطقة، حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة، وتدير صراعاتها عبر ساحات وسيطة مثل السودان واليمن وسوريا. ويضيف أن الولايات المتحدة وروسيا والصين حاضرة أيضا في هذا السباق، فلكل منها حساباته الاستراتيجية المرتبطة بموقع السودان وموارده الطبيعية، مشددا على أن “اللاعبين الكبار يتحركون من وراء ستار، ويستخدمون أدوات محلية لتحقيق أهدافهم دون تحمل كلفة المواجهة”.

ومن هذا المنطلق، يرى جابر أن الحل لن يكون سودانيا خالصا، لأن الأزمة تجاوزت قدرة الفاعلين المحليين، وأي تسوية حقيقية تحتاج إلى تفاهم إقليمي ودولي يضمن توازن المصالح ويمنع استمرار السودان كساحة لتصفية النزاعات الخارجية. ويؤكد أن “الاستقرار في السودان لن يتحقق ما لم يُرفع الغطاء الخارجي عن أطراف الصراع ويتم تفكيك شبكات الدعم المالي والعسكري العابرة للحدود”، لأن استمرار هذه الشبكات يعني بقاء الحرب مهما تغيرت الهدن والمبادرات. ويختم بأن السودان يعيش اليوم بين “مطرقة الطموحات الإقليمية وسندان الصراع الدولي”، ولن يخرج من أزمته إلا إذا استعاد قراره السيادي وفرض معادلة جديدة تضع المصلحة الوطنية فوق حسابات الخارج.

وإذ يتقاطع تحليل العميد جابر مع ما طرحه الدكتور حمية بشأن تغول العامل الخارجي، فإن ما كشفه الكاتب والمحلل السياسي السوداني صلاح حبيب يضيف بُعدا اقتصاديا أكثر عمقا، إذ يرى أن السودان تحول إلى مختبر لتجارب النفوذ الخليجي والإقليمي، وأن “الإمارات اليوم تلعب الدور الأخطر في إطالة عمر الحرب، عبر شبكة مصالح مالية وتجارية تتجاوز حدود الدعم السياسي أو العسكري، لتطال عمق الاقتصاد السوداني نفسه”.

ويشرح حبيب أن الدور الإماراتي لم يعد محصورا في إسناد قوات الدعم السريع لوجستيا، بل امتد إلى التحكم في مسارات الذهب والموارد الاستراتيجية التي تحولت إلى شريان اقتصادي يغذي الحرب من الخلف. ويقول إن “أبوظبي أدركت مبكرا أن من يملك الذهب في السودان يملك مفاتيح القرار”، فدخلت السوق عبر شركات استثمارية ظاهرها اقتصادي وباطنها سياسي. ويؤكد أن هذا الحضور يهدف إلى بناء نفوذ طويل المدى يمنح الإمارات موطئ قدم استراتيجيا على البحر الأحمر وداخل إفريقيا، في مواجهة التمدد الإيراني والتركي.

لكن هذا النفوذ، بحسب حبيب، لا يخدم استقرار السودان بل يقوض سيادته الاقتصادية، لأن عائدات الذهب تُهرب إلى الخارج وتُستخدم في تمويل اقتصاديات ظل ترتبط بأطراف الحرب. ويضيف أن “الإمارات تستخدم أدوات ناعمة وأخرى خفية في إدارة هذا النفوذ، عبر شبكات رجال أعمال سودانيين وأجانب يعملون كوسطاء ماليين لتسهيل تدفق الأموال نحو ميليشيات الدعم السريع مقابل حصص في تجارة الذهب والمواشي والعقارات”. ويعتبر أن هذا النوع من النفوذ المالي هو الأخطر، لأنه يجعل الحرب مربحة للبعض ويحول دون إيقافها حتى لو توقفت المعارك مؤقتا.

ويحذر حبيب من أن استمرار التدخلات الخارجية يجعل الحل الوطني أبعد منالا، لأن “كلما ازداد الدعم الخارجي، تراجعت فرص التسوية الداخلية”، مشيرا إلى أن “الإمارات، وإن حاولت الظهور بمظهر الوسيط، إلا أنها في الواقع طرف فاعل في تغذية الصراع”. فالسودان، كما يخلص، يقف اليوم على مفترق حاد بين استعادة سيادته أو التحول إلى ساحة دائمة لتقاطع المصالح الأجنبية، حيث تُدار ثرواته من الخارج وتُستنزف مقدراته باسم الاستقرار.

وهكذا، تتكامل المقاربات الثلاث في رسم صورة واحدة لمأزق السودان: دولة تآكلت مؤسساتها، تتجاذبها محاور متصارعة، وتُستنزف مواردها في حرب تبدو بلا نهاية. بين حسابات السلاح والذهب، وضغوط الخارج وعجز الداخل، يقف السودان أمام سؤال وجودي: هل ما يزال قادرا على إعادة بناء نفسه كدولة موحدة، أم أنه دخل مرحلة التدويل الكامل لصراعه، حيث القرار يُصنع في العواصم لا في الخرطوم؟.

الأيام نيوز

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات