سودان تمورو:
“أدعياءُ الحرب كالحرب تماماً،
أولياءُ السِّلم لا خوفٌ عليهم لا حزن…”
— محمد الحسن سالم (حميد)
من ذا الذي يربح الحرب؟ من يعود منتصراً حين تعود المدن رمادًا والأمهات حطامًا؟
الحرب ليست طريقًا للوطن، بل طريقًا لفقدانه. آن الأوان أن ننهض بوعيٍ مدنيٍّ ونقوّي فينا قرار الحياة: أن نهزم عقلية الحرب والقتل والموت والدم، وأن نرفع راية “أرضًا سلاح” كما عَلَّمنا الشاعر حميد — لأننا نحن من نتحمّل الخسارة النهائية: الموت، التشريد، الجوع، وسرقة مستقبل الأجيال.
من قلب النصوص التي روت جراحنا وصيّحت أملنا، أستحضر هنا بيتاً من روح حميد الذي صار نبض الشارع:
“كلنا للأرضِ، والأرضُ لنا
ولنا متسع حتى السماء…”
لقد أنهكت الحرب جسد السودان وروحه. القتل اليومي لم يسلبنا فقط أحبةً وأصدقاءً، بل سرق منّا الأمل والعمل والحقّ في الأمن والعيش الكريم. والأخطر من ذلك أنّ استمرار الحرب يُنتج قتلًا اقتصاديًا: تضخّم ثروات أمراء الحرب، ازدهار تجارة السلاح، احتكار الموارد وارتفاع الأسعار، وهروب العقول والشباب عبر بحار الموت. في هذا المشهد، الحرب تصبح صناعةً لطبقةٍ بعيدة عن أرض المعركة، بعيدة عن الخراب — في إسطنبول وباريس ولندن — لكن يداً في جيوبنا وفماً على شاشاتٍ تروج لدوام الصراع.
“هذه الحرب وثنٌ…”
— حميد
الهدنة التي تلوح الآن ليست مجرد سطرٍ في اتفاقٍ دبلوماسي؛ هي نافذة نجاة. هي الفرصة الأخيرة لإيقاف نزيف الدم والمال والكرامة. لكن علينا أن نكون واضحين: أدعياء الحرب لن يقفوا مكتوفي الأيدي. كلما ظهرت بوادر إطفاء، سيصبّون البنزين على النار. سيطلقون الصرخات والنداءات للتعبئة العامة؛ ليس دفاعًا عن الوطن، بل دفاعًا عن أرباحهم وامتيازاتهم. هم يخشون أن تفضح الهدنة مصدر رزقهم وسلطتهم.
لهذا السبب، لا يكفي أن نطالب بهدنة — علينا أن نحميها. ندعو اليوم إلى مبادرة مدنية عملية، واضحة، قابلة للتطبيق: لجان حماية الهدنة.
لجان حماية الهدنة: فكرة عمل مدنية وطنية
هدفها: حماية الهدنة من محاولات النسف والتعبئة، تأمين وصول المساعدات الإنسانية، توثيق انتهاكات الهدنة، ورفع الوعي الشعبي حول ضرورة استمرارها.
تكوينها: متطوعون مدنيون من الأحياء، النساء، الشباب، العاملين المدنيين، المؤسسات الأهلية، والمنظمات المحلية، مع آليات عمل شفافة وتنسيق مع الجهات الإنسانية الدولية والمحلية.
مهامها الميدانية: رصد أي دعوات للتعبئة، إحباط مثيرات العنف السلمي، تسهيل قوافل الإغاثة، توفير قنوات اتصال سريعة للإبلاغ عن خروقات، وإنتاج مواد توعوية بلغات ولهجات محلية.
مهامها السياسية والمدنية: الضغط على كل طرف ليحترم الهدنة، فضح المتربصين الذين يحاولون إعادتها إلى مربّع الحرب، والتعاون مع النقابات والأطباء والمعلمين لضمان استمرار الحياة المدنية بالحد الأدنى.
ليس الأمر سهلًا، نعم — لكنه ممكن. الصعوبة لا تبرّر التراجع. إنّ الهدنة فرصة لإعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني، وإثبات أنّ الشعب قادر على حماية سلامه بنفسه حين يتحدّ ويتنظم.
لماذا الهدنة الآن أهم من أي هدف آخر؟
1. إنقاذ الأرواح: كل يوم هدنة يعني عددًا أقل من الجثث ومزيدًا من الناجين.
2. وقف قتل الاقتصاد: وقف القتال يوقف عمليات النهب والتهريب واحتكار السلع وإغراق السوق بالغلاء.
3. منع هجرة الشباب بالقوارب: حين يعود الأمل، يقلّ دفّ اللاجئين والمهاجرين عبر بحار الموت.
4. تمهيد لمسارات سياسية: الهدنة تمنح المجال للحوار المدني والسياسي بعيدًا عن قلوب البنادق.
5. فضح أرباح الحرب: استمرار الهدنة يكشف من يستفيد من الصراع ويجعل مطلب العدالة والمحاسبة ممكنًا.
“يا أخا الأرض، لِمَن هذه الحرب؟”
— حميد
سؤال حميد يلحّ علينا: لِمَن الحرب؟ لمن نترك الوطن؟ إنّ إيقاف الحرب ليس تنازلاً، بل واجب إنساني وقومي. ليس هناك هدف أعلى اليوم من حماية الهدنة واستمرارها. كل الجهود والطاقات ينبغي أن تُوجَّه لتحقيق ذلك: تعبئة للسلام، لا تعبئة للحرب؛ لجان للحماية لا لجيوش القتال في الشوارع.
مواجهة المتربصين: فضح واستباق ومبادرة
أدعياء الحرب سيحاولون بثّ الخوف والفتن واستدعاء الذكريات القبلية والجهوية. علينا أن نكون أذكى:
نكشف شبكات تمويل الحرب ونفضحها إعلاميًا ومدنيًا.
نمنع دعوات التعبئة عبر حملات توعية واسعة، ومنصات محلية، ومساجد وكنائس ومراكز شبابية.
نؤمّن ممرات إنسانية محمية لوصول المساعدات، ونجعل تعطيلها جريمةً يتم توثيقها ونشرها.
نعمل على آلية ضغط مدني ودولي تُعزّز الحماية القانونية للهدنة.
هذا عمل جماعي يحتاج إلى تصميم، إلى إرادة يومية، وإلى يقظة مستمرة. هي ليست بلا مخاطر، لكنها الطريق الوحيد للحياة.
خاتمة: سلامٌ نبنيه كل يوم
الهدنة ليست هدفًا ثانويًا يمكن التضحية به لأجل مصالح ضيقة. هي شرط بقاء الوطن.
فلنقف معًا كجدارٍ أمام من يريد أن يُعيدنا إلى لهيب الحرب والجاهلية السياسية.
لننشد ما غنّاه حميد: أن تكون الأرض سلاحًا للحياة والكرامة، لا منصة للبيع والنهب. لنصمّت آذاننا عن أصوات التعبئة، ونعمل بلا كلل على حماية الهدنة، وعلى مدها بكل أدوات العون والحماية والوعي.
لن نحارب بعد اليوم.
سنحمي الحياة
* ناشطٌ في قضايا السلم الأهلي وحقوق الإنسان — مدافع عن حماية المدنيين ووقف نزيف الحرب.
hafiz_63@yahoo.com
الراكوبة
