سودان تمورو:
في إطار رؤيته لإعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب، طرح الكاتب الصحفي السوداني عثمان ميرغني تصورًا جديدًا لنظام إداري موازٍ يهدف إلى فصل السلطة السياسية عن الإدارة الخدمية، ويضع المواطن في قلب المنظومة، بعيدًا عن التداخلات الحزبية والجهوية التي عطلت الأداء المؤسسي في البلاد.
أزمة التداخل
أوضح ميرغني في مقاله أن النظام الإداري الحالي في السودان يتكون من حكومة اتحادية على رأس الهرم، تليها حكومات ولائية، ثم محليات، وصولًا إلى لجان الأحياء. وبيّن أن هذا النسق، رغم وضوحه الهيكلي، يحمل طابعًا سياسيًا صرفًا، وقد أثبتت التجربة أنه يفتح الباب أمام صراعات سياسية وجهوية وقبلية، بسبب ارتباط المناصب بالسلطة والثروة. وأشار إلى أن التنافس في مستويات هذا النظام غالبًا ما يتحول إلى صراع نفوذ، ما يعيق تقديم الخدمات ويضعف كفاءة الإدارة العامة.
مقترح موازٍ
دعا ميرغني إلى اجتراح نظام إداري موازٍ لا يتقاطع مع النسق السياسي القائم، بل يعمل بمعزل عنه لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. وأعاد التذكير بمقترحه الذي ورد في كتابه “السودان: الجمهورية الثانية”، والذي يقوم على مبدأ فعال يرتبط مباشرة بمطلوبات الإنسان الحياتية والعملية، ويخدم قطاع الأعمال على اختلاف حجمه. ويهدف هذا النظام إلى بناء منظومة خدمية مستقلة، تركز على تلبية احتياجات المواطن دون أن تتأثر بالتحولات السياسية أو التوازنات الحزبية.
نموذج المواطن
لتوضيح الفكرة، قدّم ميرغني نموذجًا مبسطًا للمواطن “س” الذي يعيش في القرية “ص”، ويعتمد على الزراعة كمصدر دخل. هذا المواطن يستهلك جزءًا من إنتاجه ويبيع الفائض لتأمين احتياجات أسرته. وهو مرتبط أفقيًا بالنظام المجتمعي المحلي، ورأسيًا بمطلوبات حكومية تشمل التعليم، الصحة، الأمن، والطاقة. ويحتاج في مجال العمل إلى مدخلات إنتاج، تمويل، نقل، تسويق، ونظام مصرفي. وفي مجال الخدمات، يحتاج إلى أدوات إنفاذ القانون، طرق، ومرافق تعليمية وصحية. أما في حياته اليومية، فهو بحاجة إلى سكن، أسواق، أماكن ترفيه، وبيئة نظيفة.
مستويات الخدمة
أوضح ميرغني أن كل مطلوب من هذه الخدمات يتدرج في مستوياته، فالتعليم يبدأ من الحضانة ويصل إلى الجامعة، والصحة من مركز صحي إلى مستشفى متخصص، والطاقة من إنارة منزلية إلى تشغيل مصانع. ورغم اختلاف المقاييس، فإنها تظل متساوية في الأهمية بالنسبة للمواطن. ومن هنا تنشأ فكرة النظام الإداري الجديد: توفير منظومة متدرجة تضمن وصول المواطن إلى الخدمات حسب الحاجة، من الدائرة الأقرب إلى الأوسع، وفقًا لاتساع نطاق الحركة والسكن.
دوائر متراكبة
اقترح ميرغني تصميم دوائر متراكبة مركزها المواطن، بحيث تُوفَّر له الخدمات تدريجيًا من مركز سكنه، وتزداد درجة التغطية كلما اتسعت الدائرة. هذا النموذج يضمن وصول المواطن إلى الحد الأدنى من الخدمات في أقرب نقطة، ثم يتوسع تدريجيًا لتلبية احتياجات أكبر. واعتبر أن النسق الأمثل لبناء هذا النظام الإداري يقوم على تقسيم البلاد إلى مستويات خدمية تشمل المدينة المركزية، المدينة الكبرى، المدينة، والقرى، دون أن يتقاطع هذا النسق مع النظام السياسي إلا في السلطات المركزية مثل الأمن، النيابة، والقضاء.
فصل السلطات
اختتم ميرغني مقاله بالتأكيد على أن النظام الإداري المقترح لا يتعارض مع النظام السياسي القائم، بل يعمل إلى جانبه دون تداخل، ويهدف إلى رفع كفاءة تقديم الخدمات، وتحقيق العدالة في توزيعها، بعيدًا عن التنافس السياسي. وأشار إلى أن هذا النموذج يضع المواطن في مركز الاهتمام، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس عملية، قابلة للتنفيذ، وتستجيب لحاجات الناس اليومية.
