الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالآلية الرباعية والرهان المستحيل.. سلام لا يُفرض ولا يُستورد!

الآلية الرباعية والرهان المستحيل.. سلام لا يُفرض ولا يُستورد!

 

خاص سودان تمورو

تعيش الساحة السودانية اليوم حالة من الغليان السياسي والعسكري في ظل حربٍ ممتدة أنهكت مؤسسات الدولة ومزّقت بنيتها الاجتماعية، بينما تتعدد المبادرات الإقليمية والدولية لمحاولة احتواء الأزمة دون أن تبلغ أيٌّ منها درجة الفاعلية الحقيقية. في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية السوداني الأخيرة لتعيد تعريف حدود الدور الدولي في السودان حين أكد أن “الآلية الرباعية ليست رسمية، لأنها لم تصدر عن مجلس الأمن الدولي، وإنما نتعامل معها كدول شقيقة وصديقة”. هذا التصريح لا يمثل مجرد توضيح دبلوماسي، بل هو إعلان سياسي صريح عن رؤية الحكومة لطبيعة العلاقة مع القوى الخارجية: لا رفض مطلق، ولا قبول مطلق، بل تعامل انتقائي يحكمه ميزان المصلحة.

غير أن السجال في الفضاء السياسي والإعلامي لم يهدأ، إذ راجت أنباء تفيد بأن “الآلية الرباعية” قد تلجأ إلى فرض الهدنة في السودان بالقوة، خاصة في ظل حالة الشلل التي تضرب مجلس الأمن الدولي بسبب الاستقطاب الحاد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ما يجعل من المستحيل تمرير أي قرار ذي طابع ملزم. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لدولٍ لا تمتلك تفويضاً أممياً، ولا تحظى باعتراف رسمي من الحكومة السودانية كآلية دولية، أن تفرض واقعاً سياسياً أو عسكرياً على الأرض؟ وهل تمتلك هذه الدول الإرادة والمصلحة الكافية لتحمل كلفة ذلك؟.

الولايات المتحدة الأمريكية تمثل الحلقة الأكثر وضوحاً في ضعف الإرادة، إذ اكتفت باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي عبر فرض عقوبات على قادة الجيش والدعم السريع وبعض الكيانات المرتبطة بهما، دون أن تحقق تلك الإجراءات أي أثر ملموس في ميزان الصراع. فواشنطن ليست ذات ارتباط اقتصادي أو استراتيجي عميق بالسودان، كما أن مصالحها في المنطقة يمكن تأمينها  من دون تدخل مباشر في حربٍ معقدة تتقاطع فيها القبيلة بالجيش، والسياسة بالسلاح. بل إن أجندتها المعلنة بإبعاد الإسلاميين عن الحكم تصطدم بحقيقة أن الإسلاميين يملكون بنية تنظيمية راسخة واستعداداً للتعاون مع الولايات المتحدة في ملفات محددة، مقابل بقائهم في المشهد السياسي. أما حلفاؤها في الداخل، وخصوصاً تحالف “صمود”، فلا يملكون قاعدة جماهيرية أو مؤسسات فاعلة تؤهلهم لإدارة دولة بحجم السودان، ما يجعل التدخل الأمريكي لا يتجاوز حدود البيانات والضغوط الرمزية.

أما السعودية ومصر، فهما تنظران إلى الأزمة من زاوية مختلفة تماماً. فاستقرار السودان بالنسبة لهما ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة أمنية واقتصادية. ومع ذلك، فإن هذا الحرص على الاستقرار لا يمكن أن يتحول إلى ضغط مباشر على الجيش السوداني، الذي يمثل لهما الحليف الطبيعي في بنية الإقليم. إن أي تصعيد مع المؤسسة العسكرية قد يخلّ بموازين القوة في المنطقة ويفتح الباب أمام نفوذ خصومهما التقليديين. لذا، تفضل الرياض والقاهرة السير في خطٍ دبلوماسي متوازن يضمن استمرار التواصل مع جميع الأطراف، دون الدخول في مغامرة سياسية تُفقدهما ثقة الجيش.

في المقابل، تمثل الإمارات الطرف الأكثر رغبة في التوصل إلى هدنة سياسية، ليس فقط من منطلق إنساني أو استقرار إقليمي، بل بسبب فشل حلفائها في قوات الدعم السريع في تحقيق مكاسب ميدانية حاسمة. لذلك تسعى أبوظبي لإيجاد موطئ قدم سياسي عبر المفاوضات، لكنها تصطدم برفض الجيش السوداني التعامل المباشر معها. وحتى لو ضاعفت دعمها العسكري للدعم السريع، فإن موازين القوة الراهنة تجعل من الصعب إحداث تحول جذري في الميدان يمكن أن يجبر الجيش على قبول التسوية. من هنا، فإن الأدوات الإماراتية، رغم قوتها المالية، تبقى محدودة التأثير في الميدان السوداني المعقد.

إزاء هذا المشهد المتشابك، تبدو فكرة “فرض الهدنة بالقوة” أقرب إلى الخيال السياسي منها إلى الواقع العملي. فليس هناك إرادة دولية تتحمل كلفة التدخل العسكري، ولا إجماع رباعي على الهدف أو الوسيلة، ولا استعداد داخلي لقبول وصاية خارجية. الحرب السودانية اليوم تتجاوز قدرة الأطراف الإقليمية على التحكم فيها، لأنها ببساطة حرب ذات ديناميكيات داخلية متشابكة، لا يمكن حلها بقرار من الخارج مهما كان وزنه.

من هذا المنطلق، يصبح الحل الحقيقي في الداخل لا في الخارج. إن إنهاء الحرب يتطلب إدراكاً جماعياً من الأطراف كافة –الجيش، الدعم السريع، الحركات المسلحة، القوى السياسية، والإدارات الأهلية – بأن لا منتصر عسكرياً في هذه الحرب، وأن استمرارها يعني سقوط ما تبقى من مؤسسات الدولة وتفكك ما تبقى من المجتمع. لا بد من عملية سياسية شاملة تعيد توزيع السلطة مؤقتاً بين المكونات المتصارعة خلال فترة انتقالية، تضع خارطة طريق لدمج القوات في جيش وطني موحد، وتفتح الطريق لانتخابات حرة تحدد شكل الحكم المقبل – سواء كان رئاسياً أو برلمانياً – على قاعدة توافق وطني لا إقصاء فيه.

إن الآلية الرباعية يمكن أن تكون عاملاً مساعداً أو وسيطاً مشجعاً، لكنها ليست طرفاً قادراً على فرض واقع سياسي بالقوة. السودان في نهاية المطاف بلد سيادي معقّد البنية، لا يُحكم من الخارج ولا يُقاد بقرارات فوقية. السلام في السودان لن يُفرض من عواصم الآخرين، بل يُصنع في الخرطوم، بوعي النخب وبحكمة من تبقى من قادة الرأي، وإرادة من تعبوا من الحرب لا من حلم الدولة. فإما أن يتفق السودانيون على وطن، أو يخسر الجميع الوطن.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات