الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارآخر إنذار أمريكي.. هل يتهاوى الدعم السريع؟

آخر إنذار أمريكي.. هل يتهاوى الدعم السريع؟

سودان تمورو:

شهد الموقف الأمريكي تجاه الحرب الدائرة في السودان تحولاً نوعياً بعدما دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى تحرك دولي عاجل لقطع إمدادات السلاح عن قوات الدعم السريع، محمّلاً إيّاها مسؤولية التصعيد الدموي وتفاقم الانهيار الإنساني، ولا سيما في مدينة الفاشر والمناطق المحاصرة. تصريحات روبيو جاءت عقب اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا، حيث أكد أن استمرار تدفق السلاح يمكّن قوات الدعم السريع من مواصلة هجماتها مصحوبة بانتهاكات واسعة ضد المدنيين، وأن وقف هذه الإمدادات يمثل الوسيلة الأكثر فعالية لكبح تصعيدها العسكري.

منذ بداية الحرب في أبريل 2023، حافظت واشنطن على موقف حذر قائم على دعم الوساطة في جدة ومحاولات إنعاش الهدن الإنسانية، غير أن تزايد التقارير حول الفظائع المرتكبة دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً، شملت فرض عقوبات على قادة ميدانيين وشبكات تمويل، وصولاً إلى تبني خطاب مباشر يركز على تجفيف مصادر السلاح التي تصل إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات تهريب معقدة في غرب السودان ومن خلال أطراف إقليمية.

هذا الموقف الأمريكي الجديد يحمل بعدين متداخلين: **ضغط عسكري غير مباشر** عبر السعي لقطع خطوط الإمداد، و**ضغط سياسي–دبلوماسي** عبر وصم الدعم السريع كطرف أساسي مسؤول عن استمرار الحرب. ويعتقد مراقبون أن نجاح واشنطن في حشد دعم دولي حقيقي لتنفيذ حظر فعلي على توريد السلاح قد يؤدي إلى إضعاف القدرات الهجومية للدعم السريع، ولا سيما بعد سيطرتها على الفاشر ومناطق في دارفور وكردفان، مما يمنح الجيش السوداني فرصة لإعادة تنظيم صفوفه وتعزيز دفاعاته في المناطق الحيوية.

لكن تنفيذ هذا الحظر يواجه صعوبات كبيرة، أبرزها غياب سلطة مركزية قادرة على ضبط حدود السودان الممتدة، وتعدد شبكات التهريب العابرة للدول، إضافة إلى تضارب مصالح القوى الإقليمية المنغمسة في الصراع. ورغم أن روبيو لم يسمّ دولة بعينها، فإن حديثه عن “بلدان نعرفها” يُفهم منه أنه يمارس ضغطاً موجهاً نحو أطراف يُعتقد أنها تقدم دعماً للدعم السريع، وفي مقدمتها الإمارات التي تتهمها قيادة الجيش السوداني بتسهيل وصول شحنات أسلحة ومعدات عبر حدود تشاد وليبيا والصومال، وهي اتهامات نفتها أبوظبي باستمرار.

ترى وزارة الخارجية السودانية أن تصريحات روبيو تشكل “خطوة نوعية” لأنها تميز بوضوح بين الجيش النظامي وبين “ميليشيا مسلحة خارجة عن القانون”، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بشأن وقف الإمدادات التي تسمح باستمرار الانتهاكات في الفاشر وغيرها. كما تعتبر الخرطوم أن هذا الموقف يمنح الجيش سنداً سياسياً ودبلوماسياً ويعزز شرعيته الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل الانهيار الإنساني المتفاقم واتهام الدعم السريع بممارسة حصار وتجويع ممنهج للسكان.

في المقابل، أدانت قوات الدعم السريع تصريحات روبيو واعتبرتها “منحازة وغير مهنية”، مؤكدة أنها لم تتلقَّ دعماً خارجياً وأن الجيش هو من رفض مبادرات وقف إطلاق النار. وحذر مستشار قائد الدعم السريع من أن هذا الخطاب قد يُقرأ كـ“نصر سياسي” للجيش ويقوّض فرص الهدنة، مشيراً إلى أن واشنطن تتجاهل –وفق تعبيره– تدفقات أسلحة إلى الجيش من دول أخرى. وتصر قوات الدعم السريع على أن أي تقييم دولي منحاز سيُفسَّر كتهديد لشرعيتها ويحفزها على مزيد من المقاومة.

تصريحات روبيو تعكس أيضاً توجهاً أمريكياً لدمج الاعتبارات الإنسانية ضمن معادلة الضغط السياسي، في ظل تقارير أممية حول مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية وانهيار الحياة المدنية، مما يجعل قطع السلاح ليس مجرد أداة عسكرية بل خطوة هدفها حماية المدنيين وتقليل قدرة القوات المتمردة على تنفيذ هجمات جديدة. كما ترتبط هذه التصريحات بالمبادرة الرباعية (مصر، السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة)، حيث تسعى واشنطن إلى تنسيق ضغط جماعي على الطرفين، ولو أن التركيز الأكبر يظل منصباً على الدعم السريع.

مع ذلك، يحمل الخطاب الأمريكي مخاطر واضحة؛ فقد يفسَّر كاصطفاف سياسي قد يدفع الدعم السريع إلى تشديد مواقفه واستخدام القوة بشكل أعنف لتعويض أي نقص في الإمدادات، مما قد يؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية. كما قد يؤدي التركيز المفرط على طرف واحد إلى تسييس الجهد الإنساني وتقويض حياد الوكالات الدولية، فضلاً عن أن قدرة واشنطن على إلزام الدول الإقليمية بوقف الدعم تبقى محدودة في ظل تعدد القنوات غير الرسمية التي تُستخدم لنقل السلاح.

يبقى التأثير الحقيقي للموقف الأمريكي مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى إجراءات عملية تشمل مراقبة الحدود، وتعقب شبكات التمويل، وممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي على الأطراف الإقليمية المنخرطة في الصراع. فإذا تحقق ذلك، قد تنخفض وتيرة العمليات العسكرية للدعم السريع وتُفتح نافذة للعودة إلى مسار تفاوضي. أما إذا بقي الموقف في إطار التصريحات، فمن غير المرجح أن يغيّر موازين القوى على الأرض، وقد يسهم فقط في رفع سقف المواجهة السياسية دون نتائج ملموسة.

في المحصلة، لا يمكن للموقف الأمريكي وحده إنهاء الحرب، لكنه يمثل تحوّلاً في أولويات واشنطن من التركيز على الإغاثة إلى محاولة التأثير المباشر على ديناميات الصراع. نجاح هذه الخطوة يعتمد على وجود إرادة دولية موحّدة وآلية مراقبة فعّالة، وإلا فإنها ستبقى مجرد ضغط رمزي يصطدم بتعقيدات الواقع السوداني وتشابكات الإقليم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات