سودان تمورو:
فيما تبدو تشاد وكأنها تُلقي بكل أوراقها على الطاولة، مفتوحة ذراعيها أمام رأس المال الإماراتي بلا أي تحفظ، لم تكشف زيارة رئيس الجمهورية، محمد إدريس ديبي إتنو، إلى أبوظبي عن التعاون الاقتصادي المعلن عبر “منتدى الإمارات – تشاد للتجارة والاستثمار”، بل عن لعبة نفوذ معقدة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والسياسية، حيث تتوزع الولاءات بين قوى إقليمية ودولية تتصارع على السيطرة في قلب أزمات السودان وليبيا والنيجر وإفريقيا الوسطى، وفي خضم ذلك تجد تشاد نفسها محاصرة بين احتياجاتها الاقتصادية الهائلة وتوقعات القوى الخارجية الطامعة في مواردها وموقعها الاستراتيجي.
تشاد، الدولة التي تعيش هشاشة سياسية بعد وفاة إدريس ديبي الأب، لا تملك رفاهية رفض عروض الاستثمار الخارجي، خصوصا في ظل تراجع الدعم الغربي وتصاعد التنافس الدولي على موارد إفريقيا. هنا، تظهر الإمارات كطرف استغلالي يسعى بوضوح إلى تحويل الاتفاقيات الاقتصادية إلى أدوات ضغط سياسي واستراتيجي، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الفرنسي في الساحل، ومسخرة الاستثمار كغطاء لمشروع نفوذ طويل الأمد، يضمن لها السيطرة على خطوط التجارة والممرات الحيوية للطاقة والمناطق المعدنية الحساسة، مع الحفاظ على واجهة دبلوماسية وتعاون تنموي تكاد تخفي أهدافا استراتيجية أبعد مدى.
زيارة ديبي ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل مؤشر على تغيّر واضح في الاصطفافات الإقليمية؛ تحركات نجامينا تتخذ الآن طابعا حاسما لإعادة تموضعها السياسي والاستراتيجي، في وقت تتحرك الإمارات بخطوات محسوبة لتعميق نفوذها في قلب إفريقيا، خصوصا بمحاذاة الفاشر، المدينة التي لم تعد نقطة حدودية عابرة، بل عقدة مركزية لتوازنات القوى في غرب السودان، ومركز حيوي لتدفقات الأسلحة والمقاتلين والمساعدات الإنسانية.
الاتفاقيات الاقتصادية المعلن عنها لم تعد مجرد أدوات تنمية، بل واجهة لشبكة مصالح معقدة تخفي خلفها استراتيجية إعادة تموضع في الإقليم على حساب السيادة التشادية، وتطرح تساؤلا جوهريا حول مدى قدرة نجامينا على حماية استقلالية قراراتها الوطنية أمام هذا الضغط الخارجي المكثف.
الخطورة تكمن في أن هذا “الانفتاح” الإماراتي يأتي في لحظة تمر فيها البلاد بأزمات حكم حادة، احتجاجات داخلية متصاعدة، وضغوط دولية مستمرة بشأن مسار الانتقال السياسي، كما أن المشاركة التشادية في المنتدى ليست مجرد حضور بروتوكولي، بل إعلان صريح بأن تشاد تفتح أبوابها – وربما أسرارها – أمام رأس المال الإماراتي، في مشهد يعكس تحوّلا ملموسا في الاصطفافات الخارجية، وربما محاولة لشراء الوقت عبر اللجوء إلى دعم إقليمي سياسي قبل أي دعم اقتصادي ملموس.
تزداد حساسية الوضع مع الواقع الميداني للفاشر والمناطق المحيطة بها، حيث تتحول المدينة إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تؤثر في مسارات تدفق الأسلحة والمقاتلين والمساعدات، في وقت تغيب فيه أي سلطة مركزية موحدة في السودان. هذا الفراغ يمنح أطرافا خارجية، على رأسها الإمارات، فرصة استغلالية لتحقيق أهداف نفوذ بعيدة المدى، بينما تتحرك نجامينا ضمن هذه الحسابات لتثبيت موقع تفاوضي قد يؤثر على أي تسوية مستقبلية.
“التحرك التشادي بدعم إماراتي جزء من استراتيجية أوسع مرتبطة بحسابات اقتصادية خلف دبلوماسية ناعمة”
وفي ضوء هذه الديناميات، يبدو أن التحركات التشادية – الإماراتية تتجاوز كونها مجرد خطوات اقتصادية أو توسعية عابرة، لتشكل جزءا من خطة استراتيجية شاملة تجمع بين السياسة والاقتصاد والقدرة العسكرية، بهدف إعادة رسم خريطة النفوذ في غرب السودان والساحل الإفريقي. هذا الاصطفاف يعكس نموذجا معاصرا لتفاعل القوى في منطقة تشهد صراعات متعددة المستويات، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاستراتيجيات السياسية في لعبة نفوذ معقدة يصعب التنبؤ بثباتها أو استقرارها .وفي هذا السياق يبرز التساؤل الأهم: هل تستطيع تشاد حماية سيادتها الوطنية، أم أنها تتحول تدريجيا إلى منصة لتطبيق أجندات خارجية على حساب مصالحها الحقيقية، وشعبها الذي يعيش في ظل هشاشة اقتصادية وأزمات سياسية متواصلة؟
في هذا الجو الملبّد بالتقلبات الإقليمية، يسلط التشادي حمزة محمد موسى، مسؤول الإعلام العربي والعلاقات العامة لحزب “الاشتراكي بلا حدود”، وأمين التوعية والتعبئة لائتلاف “وقت تمام”، وعضو التحالف الإفريقي “أموجا – توماي”، الضوء على قراءة المشهد المتسارع، فقد صرح لـ”الأيام نيوز”: “الزيارة ليست بريئة، ولا عابرة، ولا يمكن فصلها عن خارطة التحالفات الجديدة التي يُعاد رسمها اليوم على رمال الساحل الإفريقي المتحركة”. وتشير ملاحظاته إلى أن التحرك التشادي الأخير لا يمكن فهمه بمعزل عن التغيرات الإقليمية المتسارعة، حيث تتشابك المصالح الأمنية مع الاقتصادية بشكل غير مسبوق.
وفي ظل هذا التحول السريع في خرائط النفوذ بإقليم الساحل ودارفور، تبرز التحركات التشادية قرب الحدود المتاخمة لمدينة الفاشر كواحدة من أبرز التطورات المثيرة للجدل. فالأمر لا يقتصر على الأبعاد الأمنية فحسب، بل يشمل توسع الدور الإماراتي في قلب إفريقيا، ما يطرح سؤالا محوريا: هل التمدّد التشادي محسوب؟ أم أنه جزء من اصطفاف جديد تُهندسه أبوظبي على تماس مباشر مع خطوط الحرب السودانية؟
ضمن هذا الإطار، أوضح المستشار والدبلوماسي السوداني علي عبد القادر لـ”الأيام نيوز”: “تشاد لا تتحرك عشوائيا في الإقليم، وكل خطوة تتخذها قرب الحدود السودانية تحمل بصمة قوة خارجية تدعمها، والإمارات ليست بعيدة أبدا عن هذا المشهد”، وهكذا فإن قراءة توجّه نجامينا نحو تعزيز وجودها الأمني والعسكري قرب الفاشر لا يمكن أن تنفصل عن التحولات الإقليمية الراهنة.
ما وراء التمركز التشادي- الإماراتي
تشاد، التي ظلّت تاريخيا لاعبا محوريا في ملف دارفور، تعيد اليوم صياغة حضورها في ظل تراجع قبضة بعض القوى الدولية التقليدية. لكن ما يميز المرحلة الحالية هو تداخل المصالح الاقتصادية مع الاستراتيجية العسكرية، لاسيما بعد تقارب ديبي الابن مع الإمارات. وفي هذا الإطار، يؤكد علي عبد القادر أن “تشاد تدرك أن الفاشر ليست مجرد مدينة سودانية، بل نقطة ارتكاز تحدد تموضع القوى في غرب السودان، ومن يقترب من الفاشر يقترب من صميم الصراع السوداني”، مما يوضح أن التحرك يتجاوز الأمن التقليدي ليصبح لعبة نفوذ معقدة.
وفي العمق، يُقرأ التحرك التشادي أيضا كجهد لفرض نفسها كوسيط إقليمي مؤثر لا يمكن تجاوزه. ومع ذلك، يقدم علي عبد القادر رؤية إضافية حين يشير إلى أن “تشاد لم تعد تتحرك بإرادتها وحدها، فهناك دعم مالي ولوجستي إماراتي يسهّل لها الانتشار قرب الحدود، في إطار تفاهمات تتعلق بالاستثمار والنفوذ معا”. هذا الطرح يعكس شبكة معقدة من العلاقات والتفاهمات، حيث تستفيد أبوظبي من حاجة تشاد للتمويل والدعم لتوسيع نفوذها في الساحل.
تتسم الفاشر اليوم بحساسية عالية، إذ تتحول إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في الصراع السوداني، سواء على مستوى التحكم في طرق الإمداد أو تقييم ميزان القوى بين الأطراف المتحاربة. ومع غياب السلطة المركزية السودانية عن بعض المناطق، تتقدم تشاد بخطوات محسوبة نحو الفراغ، وهو ما يوضحه المستشار السوداني قائلا: “قرب تشاد من الفاشر ليس بريئا، إنه خطوة مصممة بعناية لضمان أن تكون نجامينا – ومعها أبوظبي- جزءا من أي تسوية قادمة في غرب السودان”. هذا التصريح يربط التمدد التشادي بالدور الإماراتي، ويجعل من الأخير لاعبا غير مباشر في إعادة تشكيل ميزان القوى في دارفور.
“التمدد التشادي قرب الفاشر تحرك محسوب يمنح نجامينا وأبوظبي نفوذا أعمق في الصراع السوداني”
في السنوات الأخيرة، استثمرت الإمارات في هشاشة الإقليم لخلق شراكات طويلة الأمد، وكانت تشاد أحد أبرز هذه الشراكات نظرا لموقعها الحدودي مع السودان وتأثيرها التاريخي في موازين القوى القبلية والعسكرية. وعند تحليل المشهد بدقة، يؤكد علي عبد القادر أن “الإمارات تبحث عن أقدام ثابتة قرب مناطق النزاع لضمان حماية مصالحها الاقتصادية القادمة، سواء في الطاقة أو المناجم أو الممرات التجارية، وتشاد هي القناة المثالية لأي حضور إماراتي غير مباشر داخل السودان”. هذا يوضح أن التحرك التشادي جزء من استراتيجية أكبر، لا يمكن عزله عن الحسابات الاقتصادية المخفية وراء الدبلوماسية الناعمة.
وفي الوقت نفسه، تستغل نجامينا الانقسام السوداني لتعزيز دورها في غرب السودان، وهو ما يصفه المستشار بأنه “استراتيجية تشادية لاستعادة مجدها القديم كلاعب رئيسي في دارفور، لكن هذه المرة بتمويل ودعم خارجيين”. وتضيف الخطوات الميدانية قرب الفاشر قدرة تشاد على مراقبة الأحداث عن كثب، وتمنحها موقعا تفاوضيا متقدما في أي مباحثات إقليمية أو دولية تتعلق بالسودان، مما يعكس التداخل الواضح بين التمدد التشادي والدعم الإماراتي، حيث تستفيد الأخيرة من قرب تشاد من قلب الجغرافيا السودانية دون أن تظهر كلاعب مباشر.
يكتسب المشهد تعقيدا إضافيا بسبب أهمية الفاشر للتوازنات القبلية والعسكرية في دارفور، إذ يوضح المستشار أن “أي قوة تتمركز قرب الفاشر، حتى ولو كان ذلك تحت عنوان حماية الحدود، تملك القدرة على التأثير في تدفقات السلاح والمقاتلين والمساعدات، وهذا يغير قواعد اللعبة على الأرض”. كما يرى أن الإمارات تعتبر هذه المنطقة “ممرا مستقبليا لمصالحها في غرب إفريقيا، خصوصا مع اهتمامها المتزايد بالطرق التجارية العابرة للصحراء والمعادن النادرة”، مما يفسر حجم الاستثمارات الإماراتية التي ترافق الدعم التشادي في المنطقة.
سياسيا واستراتيجيا، تتبع أبوظبي سياسة توسع هادئة لكنها راسخة في القارة الإفريقية، تجمع بين الاستثمار الاقتصادي والدعم السياسي لبعض الأنظمة مقابل تحقيق نفوذ طويل الأمد. وفي المقابل، تستفيد تشاد من هذا الدعم لتعزيز موقعها داخليا وخارجيا، لا سيما في ظل تحديات انتقال السلطة وتصاعد التوترات الإقليمية. وفي هذا الإطار، يشير علي عبد القادر إلى أن “تشاد، بفتحها أبوابها للإمارات، تحصل على ما تحتاجه من قوة مالية ودعم فني، لكنها في المقابل تمنح أبوظبي إمكانية الاقتراب من حدود مشتعلة لطالما رغبت القوى الدولية في السيطرة على محيطها”.
ومهما حاولت نجامينا تقديم تحركاتها على أنها إجراءات دفاعية بحتة، تشير الوقائع الميدانية إلى عكس ذلك. فتعزيز وجودها العسكري قرب الفاشر لا يمكن أن يكون مجرد إجراء روتيني، إذ هذه المنطقة تحدد مصير الصراع السوداني في غرب البلاد. ومن هذا المنطلق، يوضح علي عبد القادر أن “التحرك التشادي موجّه بعناية نحو خلق واقع جديد يسمح للطرفين – تشاد والإمارات – بالتأثير على الطرف السوداني الضعيف حاليا، سواء في ميدان الحرب أو في مسارات التفاوض”. هذا يبرز أن الاستراتيجية ليست محصورة في الجانب الأمني فقط، بل تشكل جزءا من معادلة نفوذ دقيقة التخطيط.
يمكن القول إن تشاد لا تتحرك منفردة قرب الفاشر، بل ضمن منظومة دعم خارجي تمثلها الإمارات، التي تعتبر هذا الموقع بوابة أساسية نحو قلب الإقليم. وقد يتطور هذا التمدد المحسوب إلى اصطفاف سياسي كامل، لا سيما إذا استمرت الحرب السودانية دون أفق واضح. كما لخّص الدبلوماسي علي عبد القادر بقوله: “من يقترب من الفاشر يقترب من مستقبل السودان، والإمارات تعرف ذلك جيدا، وتشاد تنفذ”، وهو تصريح يختصر العلاقة الاستراتيجية المعقدة بين نجامينا وأبوظبي في قلب الصراع السوداني وملف النفوذ الإقليمي.
الاستثمار غطاء لتثبيت النفوذ المشبوه
التوترات المستمرة في غرب السودان تجعل التحركات التشادية محور متابعة دقيقة من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين، إذ أن أي تغير في موازين القوة على الأرض قد يعيد تشكيل التحالفات القديمة ويخلق واقعا جديدا في إدارة النزاعات. ويبرز من ذلك أن السياسة الأمنية لتشاد لم تعد مجرد رد فعل على أحداث عابرة، بل أصبحت جزءا من استراتيجية شاملة تجمع بين القوة العسكرية، والوساطة الإقليمية، والاستفادة من التمويل الخارجي لتأمين نفوذ طويل الأمد في منطقة تمثل قلب الصراع السوداني.
تُضاف إلى ذلك الحسابات الاقتصادية الاستراتيجية التي ترافق التحرك، إذ لا تقتصر مصالح الإمارات على الجانب السياسي والعسكري، بل تشمل الاستثمار في الموارد والمعادن النادرة، فضلا عن إنشاء ممرات تجارية عبر الصحراء لتعزيز حضورها في غرب إفريقيا. وهكذا، تصبح تشاد شريكا محوريا في تحقيق هذه الرؤية، بفضل موقعها الجغرافي وتأثيرها التاريخي في دارفور. وفي هذا الإطار، تتضح حكمة نجامينا في التحرك ضمن خطوط محددة تسمح لها بالحفاظ على توازنها الداخلي والخارجي، مع استغلال الدعم المالي والتقني الإماراتي لتعزيز وضعها الإقليمي.
مع استمرار هذه الديناميات، يبقى السؤال المحوري حول مدى قدرة تشاد على الحفاظ على استقلالية قراراتها في ظل هذه الشبكات المعقدة من الدعم الخارجي. فالتحالفات الجديدة، سواء مع الإمارات أو غيرها من القوى الفاعلة في المنطقة، تمنح نجامينا نفوذا إضافيا، لكنها في الوقت ذاته تقيد حركتها ضمن استراتيجية أكبر لا تتوقف عند حدود الدولة التشادية، بل تمتد لتشمل إعادة رسم خريطة النفوذ في غرب السودان والساحل الإفريقي.
وبالتالي، يصبح من الواضح أن التحركات قرب الفاشر ليست مجرد خطوات تكتيكية، بل هي جزء من خطة استراتيجية متكاملة، تجمع بين السياسة، الاقتصاد، والأمن، وتستند إلى شراكات خارجية مدروسة بعناية. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ما يجري اليوم هو نموذج معاصر لتفاعل القوى الإقليمية والدولية في منطقة تعيش صراعا متعدد المستويات، حيث تتشابك مصالح الدولة، التمويل الخارجي، والاستراتيجيات الإماراتية في لوحة معقدة من النفوذ والسيطرة.
إذن، تتجلى أهمية الفاشر ليس فقط كمدينة حدودية، بل كنقطة ارتكاز حاسمة لتحديد موازين القوى في غرب السودان، حيث تلتقي المصالح التشادية مع الطموحات الإماراتية ضمن خطة استراتيجية بعيدة المدى. ويبرز من خلال التحليلات الميدانية أن هذه الديناميات قد تؤدي إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية، بما يشمل تأثيرها على الصراع المستمر في السودان، وخلق واقع جديد يضمن لكل من تشاد والإمارات موقعا تفاوضيا مؤثرا في أي تسوية مستقبلية.
“تشاد يتم دفعها نحو معادلات إقليمية لا تتحكم في شروطها ولا مآلاتها”
هذا المشهد يسلط الضوء على كيفية تحويل التحركات العسكرية والسياسية إلى أدوات نفوذ واسعة المدى، إذ لا يقتصر الهدف على السيطرة الميدانية فحسب، بل يمتد إلى ترسيخ حضور استراتيجي طويل الأمد يضمن مصالح اقتصادية وسياسية متداخلة. ومع استمرار النزاع السوداني وغياب الاستقرار، يظل التمدد التشادي الإماراتي مثالا واضحا على كيفية تفاعل القوى الإقليمية والدولية في رسم مستقبل منطقة الساحل ودارفور، جامعا بين الأمن، الاقتصاد، والسياسة في منظومة مترابطة.
لتتمة هذا السياق، يجدر التنويه بأن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن أبعاد نفوذ أوسع يمتد إلى الاقتصاد والسياسة والتموضع الاستراتيجي. فالروابط التي تنشئها أبوظبي عبر الاستثمارات والشراكات مع نجامينا تمهد الطريق لدور مستقبلي أكبر في الإقليم، مع الحفاظ على واجهة اقتصادية رسمية، بينما يتخذ النفوذ الإماراتي شكلا عمليا على الأرض. وهذه النقطة تمثل الجسر الطبيعي للانتقال إلى التحليل التالي حول الدور المباشر للاستثمارات الإماراتية في تشاد وكيفية استخدامها كأداة نفوذ في مناطق النزاع.
تتحرك الإمارات بسرعة نحو غرب إفريقيا، رافعة شعار “الاستثمار والتنمية”، لكنها على الأرض تتبع معادلة مختلفة تماما: النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة. وفي تشاد، حيث يفتح الرئيس محمد إدريس ديبي أبواب بلاده أمام أبوظبي بلا شروط واضحة، يبدو المشهد أكثر تعقيدا مما تعكسه البيانات الرسمية. وفي هذا السياق، يوضح القيادي التشادي حمزة محمد موسى لـ”الأيام نيوز”: “الرئيس ديبي يتعامل مع الإمارات وكأنها المنقذ الوحيد، لكنه يغفل أن ما يأتي في ملف الاستثمار يدخل مباشرة في حسابات النفوذ، وأن أبوظبي لا تمنح أموالها مجانا، بل مقابل مفاتيح استراتيجية تمسّ سيادة تشاد نفسها”.
تعكس هذه الكلمات قلقا داخليا من التأثير الإماراتي في نجامينا، وتوضح أن الاستثمار لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح أداة ضغط وتوجيه تتغلغل في القرار التشادي. فالاستثمارات الإماراتية تُسوَّق بشعارات التنمية والشراكة والمشاريع الاستراتيجية، لكنها تخفي شبكة مصالح معقدة ومتشابكة. وفي ظل موقع تشاد الحساس قرب ليبيا والسودان والنيجر وإفريقيا الوسطى، تصبح البلاد بوابة مثالية لأي قوة تسعى لتموضع في الإقليم، خاصة مع ثروات دارفور من مناجم وطرق تهريب وممرات حيوية، ما يجعل الاستثمار واجهة دبلوماسية تغطي مشروع نفوذ طويل الأمد.
ويضيف موسى: “الرئيس ديبي يعتقد أن فتح البلاد أمام الاستثمارات الإماراتية سيؤمن له دعما سياسيا يبقيه في السلطة، لكنه لا يدرك أن الإمارات لا تنقذ الأنظمة، بل توظفها لخدمة مصالحها. ما نراه بوضوح هو أن أبوظبي تهندس مكانها في الإقليم، وأن تشاد أصبحت بالنسبة لها منصة للوصول إلى دارفور ومناطق النزاع”. ويعكس هذا التصريح الواقع على الأرض: فالإمارات لا تستثمر في الفراغ، بل في نقاط استراتيجية تمنحها القدرة على تعزيز نفوذها السياسي عبر أدوات مالية واقتصادية دقيقة.
الإمارات تتحكم بمفاصل الدولة التشادية
المفارقة أن نظام ديبي يكرر الخطاب الترويجي بأن هذه الاستثمارات ستنقل تشاد نحو التنمية، لكن هذه “التنمية” لم تحقق الاستقرار في أي دولة إفريقية تعاملت ضمن نفس المعادلة، بل زاد اعتمادها على التمويل الخارجي وفقدت القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة. في تشاد اليوم، يبدو هذا الاعتماد واضحا، إلى حدّ أن بعض الدوائر السياسية تقول إن “السيادة التشادية صارت معلّقة بين رغبات الرئيس ومصالح الإمارات”.
ويضيف موسى بنقد حاد: “ديبي ليس بصدد بناء اقتصاد، بل بصدد بيع مفاصل الدولة تحت عنوان الاستثمار. وهناك وزراء ومستشارون يدركون أن ما يحدث ليس تعاونا، بل اصطفافا سياسيا خطيرا، لكنه يمضي فيه لأنه يمنحه حماية خارجية يريد استغلالها داخليا”. هذا يؤكد أن الرضا الرسمي عن الحضور الإماراتي ليس محل إجماع، ويواجه تيارات داخلية تخشى من تحوّل تشاد إلى دولة مُلحَقة بالنفوذ الخارجي.
الاستثمارات الإماراتية تركز على قطاعات محددة: الطاقة، الطرق الاستراتيجية، مشاريع اللوجستيات، الاستثمار الزراعي واسع النطاق، والقطاع المنجمي، وهي مفاتيح التحكم في الجغرافيا الاقتصادية والسياسية. فسيطرة أبوظبي على مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالطرق المؤدية إلى السودان أو ليبيا أو إفريقيا الوسطى تمنحها تحكما في حركة التجارة، الإمداد، والقدرة على التأثير في الأطراف المتصارعة.
ويؤكد موسى: “السؤال الذي يجب على ديبي الإجابة عنه هو: لماذا يتركز الاستثمار الإماراتي دائما في المناطق الحساسة سياسيا؟ ولماذا تقترب مشاريعه من خطوط النزاع؟ الإجابة واضحة: الاستثمار هنا ليس مجرد اقتصاد، بل غطاء لتحركات جيوسياسية”. وتدعم الوقائع الميدانية هذه الرؤية، حيث ترتبط التحركات الإماراتية قرب دارفور عبر الشراكات مع تشاد والتنسيق الأمني واللوجستي مباشرة بصراع النفوذ داخل السودان. فالمناطق مثل الفاشر ونيالا والجنينة تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة، ومن يسيطر عليها يمتلك القدرة على التأثير في ميزان القوى بين الأطراف السودانية المتحاربة.
ويجيب موسى على سؤال محوري: “نعم، وبكل وضوح. الإمارات تستخدم تشاد كبوابة خلفية للوصول إلى دارفور، وهذا ليس سرا في الدوائر السياسية هنا. وإذا استمر الرئيس ديبي في تقديم التسهيلات دون حساب، فقد تتحول تشاد نفسها إلى جزء من المعادلة السودانية رغما عنها”. ويعكس هذا التحليل بجلاء كيف يتحول الاستثمار إلى أداة نفوذ، وكيف أصبح القرار التشادي مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمصالح الإماراتية في الإقليم، ما يضع نجامينا أمام تحديات الحفاظ على استقلاليتها وقدرتها على ضبط توازناتها الداخلية والخارجية.
من المهم الإشارة إلى أن الإمارات تختار استثماراتها بعناية فائقة، مركزة على محاور الطاقة، الطرق الاستراتيجية، مشاريع اللوجستيات، الاستثمار الزراعي واسع النطاق، والقطاع المنجمي. وهذه القطاعات ليست عادية، بل تمثل مفاتيح للتحكم في الجغرافيا الاقتصادية، ومن خلالها يمكن التأثير في القرار السياسي. فالسيطرة على مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالطرق المؤدية إلى السودان وليبيا وإفريقيا الوسطى تمنح أبوظبي القدرة على ضبط حركة التجارة ومسارات الإمداد، وفي الوقت نفسه التأثير على الأطراف المتصارعة في المنطقة.
“توقيع 18 مذكرة تفاهم يوضح رغبة أبوظبي في تثبيت حضور عاجل قبل تبدّل موازين السودان”
وفي هذا السياق، يشير حمزة موسى إلى أن “السؤال الذي يجب على ديبي الإجابة عنه هو: لماذا يستهدف الاستثمار الإماراتي دائما المناطق الحساسة سياسيا؟ ولماذا يركز على مشاريع قرب خطوط النزاع؟ الإجابة بسيطة: الاستثمار ليس اقتصادا فحسب، بل غطاء لتحركات جيوسياسية”. وهذا الرأي لا يبقى مجرد نظرية، بل يتجسد على الأرض؛ فالتحركات الإماراتية قرب دارفور، عبر الشراكات مع تشاد والتنسيق الأمني واللوجستي، ترتبط مباشرة بصراع النفوذ الجاري داخل السودان. فمدن مثل الفاشر ونيالا والجنينة تمثل مواقع استراتيجية، ومن يسيطر على النفوذ فيها يملك القدرة على التأثير في ميزان القوى بين الأطراف السودانية المتصارعة.
وتتضح النتيجة بشكل أكثر مباشرة في طرح السؤال حول نفوذ الإمارات عبر تشاد داخل السودان. يوضح موسى أن “نعم، وبكل وضوح. الإمارات تستخدم تشاد كبوابة خلفية للوصول إلى دارفور. وهذا ليس سرا في الدوائر السياسية هنا. وإذا استمر الرئيس ديبي في تقديم التسهيلات دون حساب، فإن تشاد نفسها قد تصبح جزءا من المعادلة السودانية رغما عنها”. كل تحرك اقتصادي إماراتي في تشاد يتقاطع مع مناطق حساسة، وكل اتفاقية تركز على مشاريع ذات امتداد حدودي، لتصبح الاستثمارات جزءا من مشروع نفوذ أوسع يهدف إلى إعادة تموضع إقليمي في ظل إعادة تشكيل موازين القوى منذ اندلاع الحرب السودانية.
ويضيف موسى تحذيرا صريحا: “رئيسنا يقدّم البلاد على طبق من فضة، معتقدا أنه يشتري بقاءه في الحكم، لكن الحقيقة أنه يسلّم مفاتيح الدولة لمن يرى فيها مجرد ساحة نفوذ. وإذا استمر هذا المسار، فإن تشاد ستخسر استقلالية قرارها في مقابل بضعة مليارات تُصرف في مشاريع لا تُغير شيئا من واقع الفقر والتهميش”. هنا، يتضح أن الاستثمار الإماراتي في تشاد ليس مجرد مسعى اقتصادي، بل أداة استراتيجية تمتد من نجامينا إلى تخوم الفاشر، ومن مشاريع الطاقة إلى خرائط اللوجستيات، ومن الدعم السياسي للأنظمة إلى إعادة رسم خطوط النفوذ.
ويصف موسى الوضع بقوله: “ديبي لا يرى إلا الكاميرات والمنتديات، بينما الإمارات ترى الجغرافيا والموارد وممرات النفوذ. وهذه ليست شراكة بين طرفين متكافئين، بل علاقة قوة بين مُموِّل يعرف ماذا يريد، ورئيس يبحث عن مظلة خارجية تحمي عرشه”. بهذا يتضح جوهر الحقيقة: الاستثمار مجرد غطاء، والنفوذ هو الهدف الحقيقي.
اتفاقيات اقتصادية وراءها مخططات نفوذ خطيرة
وفي هذا السياق، تتضح الصورة الأوسع لما أشار إليه موسى حول أهداف الإمارات في تشاد، حيث تتجاوز التحركات الاقتصادية مجرد مشاريع استثمارية لتصبح جزءا من شبكة مصالح إقليمية مترابطة. من نجامينا إلى الفاشر، حيث تمتد الحدود المشتعلة بالصراع، تتحرك الإمارات بخطى مدروسة لتشييد شبكة مصالح تتجاوز الاستثمار التقليدي، لتصبح مشروعا إقليميا متكاملا. ما يجري بين تشاد وأبوظبي ليس مجرد اتفاقيات اقتصادية عابرة، بل خطوة لتشكيل واقع جديد على خط الصراع السوداني، واقع تتداخل فيه حسابات الإمارات مع أجندات السلطة التشادية وتوازنات القوى في دارفور.
ويؤكد د. حسن شايب دنقس، مدير مركز العاصمة للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن “الإمارات لا تتحرك في الساحل بدافع اقتصادي خالص، بل تستثمر في نقاط الفراغ الجيوسياسي التي خلّفها التراجع الفرنسي، وتبحث عن منافذ تمكنها من التأثير المباشر في توازنات الحرب السودانية”. فبين نجامينا، العاصمة الضعيفة داخليا والتي تعاني من تعقيدات قبلية، والفاشر التي تمثل بوابة النفوذ على غرب السودان، تنسج أبوظبي شبكة مصالح مزجت الاقتصاد بالسياسة والاستثمار بالأمن والشراكات بالتبعية. ويضيف د. دنقس: “ربط التحالفات الاقتصادية التشادية بالإمارات لا يمكن فصله عن المسار العسكري والسياسي في السودان، فنجامينا ليست مجرد شريك اقتصادي، بل ورقة نفوذ توظفها أبوظبي حيث تريد وفي الوقت الذي تريد”.
تتضح طبيعة هذه التحركات عند النظر إلى توقيع 18 مذكرة تفاهم دفعة واحدة، وهو ما يصفه د. دنقس بأنه “لا يعكس قدرة تشادية على استقبال مشاريع كبرى، بل يعكس رغبة إماراتية في تثبيت وجود سريع قبل أن تتغير موازين القوى في السودان أو في الساحل”. كل خطوة هنا تهدف إلى بناء “نظام نفوذ” يبدأ من الاقتصاد ولا ينتهي عند السياسة، فالإمارات تسعى لملء الفراغ الفرنسي في منطقة الساحل، ولكنها تفعل ذلك بأسلوب القوة والمال لا بالشراكة المتوازنة: “نعم، الإمارات تتحرك في منطقة الساحل بوصفها قوة بديلة، لكنها قوة لا تأتي بمفهوم الشراكة المتوازنة، بل بمفهوم استخدام المال للاستحواذ على النفوذ وبناء علاقات تبعية مع النخب الحاكمة”.
يكتسب هذا التحرك حساسية أكبر لأنه يتم في دول منكوبة سياسيا واقتصاديا، مثل تشاد، حيث تصبح المؤسسات الضعيفة أداة لتثبيت النفوذ. مشاريع البنية التحتية، الامتيازات طويلة الأمد، إدارة الموانئ والمطارات، والاستثمار في الطاقة كلها أدوات تُوظف لتوجيه التوازنات في الإقليم وليس لتطوير الدولة. ويشير د. دنقس: “التحول من الاقتصاد إلى النفوذ ليس جديدا في السلوك الإماراتي، لكن خطورته اليوم تكمن في أنه يحدث قرب مسرح حرب مفتوحة في السودان. وكل تحرك اقتصادي في تشاد له امتداد عسكري أو سياسي بالضرورة”.
“كل خطوة اقتصادية تتخذها أبوظبي في المنطقة هي في جوهرها خطوة سياسية ذات غطاء اقتصادي”
هذا الواقع يجعل التعاون الإماراتي – التشادي مرتبطا بشكل وثيق بالتحركات العسكرية والإمدادات المتجهة إلى دارفور. السيطرة على محيط دارفور تمنح قوة إقليمية القدرة على إعادة تشكيل خطوط الصراع أو على الأقل إدارتها بما يخدم مصالحها، لتصبح الاتفاقيات الاقتصادية جزءا من هندسة النفوذ الشامل، بعيدا عن أي مسعى تنموي بحت.
لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالمواطن التشادي: هل تعود كل هذه الاستثمارات بالنفع عليه؟ يجيب د. دنقس بصفته محللا سودانيا مطلعا على طبيعة النظام التشادي: “لا توجد مؤشرات تُظهر أن هذه الاتفاقيات ستنعكس على حياة المواطن. الأموال ستستقر في يد النخب السياسية والعسكرية، وستتحول المشاريع إلى منصات استنزاف لصالح الإمارات، لا أدوات تنمية”.
ويضيف أن السبب يعود إلى أن “تشاد تفتقر إلى البنية المؤسسية القادرة على ضمان الشفافية، وكل تمويل خارجي بهذا الحجم يتحول إلى مورد للنخب وليس للمجتمع”. وهذه الصورة تتكرر في دول إفريقية عدة، حيث تحوّل الاستثمارات الخارجية إلى وسيلة لشراء الولاءات داخل السلطة، فيما يبقى المواطن خارج المعادلة.
أما توقيع 18 مذكرة، فيراه د. دنقس “عملا استعراضيا أكثر مما هو خطة اقتصادية”، موضحا أن “البلد الذي لا يمتلك القدرة الإدارية لإدارة مشروع واحد شفاف، لا يمكن أن يدير 18 شراكة دفعة واحدة. هذا توقيع سياسي على بياض، وليس اتفاقيات اقتصادية فعلية”. ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن هذه المذكرات “تشكل بوابة للتبعية الاقتصادية، لا للتنمية”. فالمشاريع التي لا تُخضع لرقابة مستقلة تتحول إلى أدوات نهب، سواء عبر عقود غير متوازنة أو عبر التحكم في الموارد الطبيعية.
وتأثير هذا التمدد لا يقتصر على تشاد وحدها، بل يمتد إلى الساحل الإفريقي بأكمله. يوضح د. دنقس: “نحن أمام قوة مالية تملك قدرة ضخّ أموال في وقت انسحبت فيه فرنسا وضعفت فيه الولايات المتحدة في هذا الملف. هذا يجعل الإمارات لاعبا قادرا على التأثير في المسارات الاقتصادية والأمنية”.
هنا تبرز الجزائر كقوة إقليمية أساسية، وتطرح أسئلة حول استعدادها للتعامل مع هذا التمدد الجديد. فالجزائر تعتبر الساحل عمقها الاستراتيجي، وأي نفوذ خارجي قادم من الخليج يمثل تهديدا غير مباشر لأمنها القومي. ويشير د. دنقس إلى أن “الجزائر ستبحث عن آليات لاحتواء هذا التمدد، سواء عبر الاتحاد الإفريقي أو عبر بناء شراكات مضادة”. بمعنى أن الساحل قد يصبح مسرح تنافس جديد بين اللاعبين الإقليميين، حيث تستخدم الإمارات أدوات المال، بينما تستخدم الجزائر أدوات الأمن والدبلوماسية.
حدود ملتهبة
ويخلص د. دنقس إلى أن “خطوة الإمارات في تشاد ليست سوى بداية لمرحلة جديدة في إعادة رسم خارطة النفوذ في الساحل ودارفور”. فالفاشر ليست مدينة حدودية عادية، بل محور نفوذ، ومن يقترب منها يقترب من قلب الصراع السوداني. وهكذا، يبدو أن ما يُعرَف بـ”شراكة اقتصادية” ليس سوى غطاء لتحرك استراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة. وعلى خط نجامينا – الفاشر، تتضح الصورة: الإمارات لا تستثمر، بل تتموضع، ولا تنمّي، بل تنسج نفوذا، ولا تقارب تشاد حبا في التنمية، بل طمعا في السيطرة على بوابة دارفور. وهذا، كما يحذر د. حسن شايب دنقس، “تحول سيغيّر مستقبل الإقليم كله، إذا لم تتعامل معه دول الجوار بالحزم المطلوب”.
في الوقت ذاته، تتجه الأنظار نحو تشاد باعتبارها منصة مفتوحة يعبر عبرها اللاعبون الإقليميون لإعادة تموضعهم في أكثر البقاع حساسية في السودان. وبينما لا تزال الفاشر تتصدّر مشهد التوتر مع تعقّد مسارات الصراع بين المكوّنات المسلحة وتباين مواقف القوى الإقليمية، تظهر الإمارات كلاعب متقدم في ساحة تتقاطع فيها الحسابات الاقتصادية مع رهانات النفوذ، ويبدو أن البوابة التشادية تقدّم لها ما لا تقدمه أي حدود أخرى.
وفي هذا الإطار، يشير المحلل السياسي السوداني ياسين عمر حسن عمر إلى أن ما يجري “يتجاوز لغة الاستثمار والنوايا الحسنة”، ويبرز أن “التقارب الإماراتي – التشادي يحمل في طياته مشروعا خفيا لإعادة ترتيب ساحات النفوذ في غرب السودان، وأن الفاشر باتت محور جذب لدول لا تريد أن تبقى خارج اللعبة”. ويضيف أن “المشهد برمته يدل على أن الإمارات تراهن على تشاد ليس فقط كشريك اقتصادي بل كمعبر إلى عمق الصراع السوداني”.
وتتضح المنطقية في هذا التحليل عند النظر إلى الواقع الميداني. فدارفور، وخاصة محيط الفاشر، أصبحت اليوم منطقة مفتوحة على احتمالات متعددة؛ انهيار، إعادة اصطفاف، تحوّل عسكري مفاجئ، أو حتى تمدد قوة إقليمية تبحث عن موطئ قدم في قلب الفوضى. وفي ظل هذا الواقع، ترى الإمارات المشهد لا كأزمة داخلية سودانية، بل كنافذة استراتيجية تمنحها إمكانية نسج خيوط نفوذ طويل الأمد، خصوصا مع تراجع الفاعلين التقليديين وعلى رأسهم فرنسا، وترك الفراغ للقوى الجديدة.
ومع أن الاتفاقيات الثنائية بين الإمارات وتشاد تتحدث عن مشاريع اقتصادية وتنموية، فإن طبيعة المرحلة تُظهر أن هذه المشاريع تحمل أبعادا تتجاوز الاقتصاد بكثير. فالموقع الجغرافي لتشاد – الممتد على حدود ملتهبة مع السودان ومرتبط بخيوط سياسية وأمنية مع الفاشر- يحوّلها إلى نقطة ارتكاز لأي دولة تطمح إلى موقع استراتيجي.
“تشاد ليست محايدة، بل مصالحها تتقاطع مع قوى خارجية، مما يزيد تعقيد الوضع في دارفور”
ويشير ياسين عمر حسن عمر إلى أن “الإمارات تدرك أن السيطرة على خطوط الإمداد غير الرسمية، والتموضع قرب عقدة الصراع في الفاشر، يفتح لها نافذة تأثير أكبر مما يمنحه أي اتفاق اقتصادي مباشر مع السودان، خصوصا في ظل التوتر السياسي وغياب سلطة مركزية موحّدة”. ويضيف أن “التحركات الإماراتية عبر تشاد هي إعادة تعريف لطبيعة الحضور الخليجي في إفريقيا، وهي رسالة صريحة بأن أبوظبي لا تتعامل مع الساحل كمنطقة هامشية بل كعمق استراتيجي”.
وتبرز المحاور الأساسية التي تبحث عنها الإمارات قرب الفاشر في ثلاثة مجالات متداخلة: الموارد، الممرات اللوجستية، والتحالفات السياسية المرتبطة بمصالح أمنية واسعة. فالذهب وغيره من الموارد المعدنية في دارفور يظل هدفا مركزيا، بينما تمثل الممرات التي تربط غرب السودان بتشاد والنيجر شريانا أساسيا للتحكم في حركة السلع والسلاح. إضافة إلى ذلك، تمنح التحالفات السياسية المحلية القدرة على التأثير في بيئة معقدة، تضم العسكري والقبلي والتاريخي.
ويختصر الأستاذ ياسين عمر حسن عمر هذه الحقيقة بقوله: “لا يمكن أن ننظر إلى الوجود الإماراتي في تشاد بمعزل عن رغبتها في توسيع دائرة نفوذها داخل غرب السودان، فكل خطوة اقتصادية تتخذها أبوظبي في المنطقة هي في جوهرها خطوة سياسية ذات غطاء اقتصادي”. ويضيف أن “القلق الدولي من تصاعد التوتر في دارفور، خاصة حول الفاشر، جعل من المنطقة نقطة جذب لكل اللاعبين، ومن يسبق اليوم في التمركز سيملك أفضلية في أي ترتيبات مستقبلية”.
ويزداد وضوح هذا الطرح مع توقيت التحرك الإماراتي الذي تزامن مع مرحلة شديدة الحساسية في السودان. فالصراع المسلح الذي اندلع في الخرطوم وتمدد إلى دارفور خلق فراغا أمنيا ضخما، وأدى إلى تفكك الرقابة المركزية على الحدود الغربية، ما منح تشاد قدرة أكبر على التأثير في مسار الأحداث غرب السودان، وجعلها في موقع يمكّنها من تقديم خدمات استراتيجية لمن يسعى للوصول إلى الفاشر ومحيطها. ومن الواضح أن الإمارات رأت في هذه اللحظة فرصة لتثبيت نفوذها قبل أن تستقر الموازين من جديد.
استثمار الفوضى
ويشير ياسين عمر حسن عمر إلى أن “السياق الدولي الراهن يساعد الإمارات في التموقع، لأن القوى الغربية منشغلة بقضايا أخرى، ولأن فرنسا فقدت مساحة كبيرة من تأثيرها التقليدي في الساحل”. ويضيف: “حين تتراجع قوة كبرى مثل فرنسا، تظهر قوى جديدة تعيد تشكيل خريطة النفوذ، والإمارات تدرك أن لحظة الفوضى هي أفضل لحظة لتأسيس حضور دائم”.
ويخلق هذا التمدد عبر تشاد عنصرا مزدوج الأبعاد: فهو يشكل ضغطا على السودان وتطورات الصراع فيه، وفي الوقت ذاته يثير مخاوف دول الجوار مثل الجزائر وليبيا والنيجر، التي تدرك أن أي تحوّل كبير في موازين القوى في الساحل سيؤثر مباشرة على أمنها القومي. ومع غياب رؤية إقليمية موحدة حاليا، يجد النفوذ الإماراتي مساحات للتغلغل دون مقاومة حقيقية.
ولا يمكن تجاهل أن تشاد نفسها تلعب دورا مزدوجا، فهي من جهة تستفيد من الاستثمارات الإماراتية لتعزيز موقعها السياسي، ومن جهة أخرى تستخدم علاقاتها مع بعض أطراف الصراع في دارفور لتقديم نفسها كوسيط أو كقناة عبور. ويؤكد ياسين عمر حسن عمر أن “تشاد تدرك تماما أن قبولها بهذا الدور سيضعها في صلب الانتقادات، لكنها تراهن على أن المكاسب السياسية قصيرة المدى تفوق المخاطر”. ويضيف: “تشاد اليوم ليست دولة محايدة، بل دولة تتقاطع مصالحها مع مصالح قوى خارجية، وهذا ما يزيد الوضع في دارفور تعقيدا”.
وفي ظل تصاعد التوتر حول الفاشر، تظهر الإمارات كفاعل يسعى للتقدم بخطوة قبل الجميع. فالمشاريع الموقعة في تشاد، والزيارات الرسمية المكثفة، ومحاولات الدخول إلى قطاعي التعدين والطاقة في الساحل، جميعها تعكس رغبة واضحة في تثبيت وجود طويل الأمد، حضور لا يُقاس بالاستثمار الاقتصادي فحسب، بل بالتوسع الاستراتيجي. ويشير ياسين عمر حسن عمر إلى أن “الإمارات تبحث عن حضور دائم، عن نفوذ يتجاوز حدود التجارة. نحن أمام مشروع يعيد تشكيل معالم المنطقة بطريقة دقيقة ومدروسة”.
وبالتالي، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الإمارات تسعى لموطئ قدم قرب الفاشر عبر تشاد، بل يمتد إلى مدى قدرة أبوظبي على المضي قدما في مشروعها، وإلى إمكانية السودان – في ظل وضعه الراهن – احتواء تداعيات هذا التصدير الإقليمي للصراع. وهل ستبقى تشاد مجرد بوابة، أم ستتحول إلى شريك كامل في مشروع نفوذ يعيد رسم خرائط المنطقة؟
ويخلص عمر لـ”الأيام نيوز” إلى أن المشهد السوداني أمام مرحلة حرجة؛ فالفاشر لم تعد مجرد مدينة على الأطراف، بل أصبحت عنوانا لصراع يتجاوز حدود السودان، إلى حسابات دول تبحث عن موطئ قدم في قلب إفريقيا، والإمارات – عبر تشاد – تحاول أن تكون أول الواصلين.
الأيام نيوز

https://shorturl.fm/5HV7H