خاص سودان تمورو
ما كان للسودان أن يجد نفسه فجأة في قلب اهتمام دونالد ترامب، لولا أن ولي عهد السعودية خاطبه بلغة يعرفها الرجل جيدًا: لغة القوة. فترامب لم يخفِ دهشته حين قال إن الأمير يريد منه “أن يفعل شيئًا قويًا للغاية” بخصوص السودان، وهو أمر لم يكن في حساباته ولا في جدول اهتماماته. ومع ذلك، يكفي أن تُقدَّم للرجل “توضيحات” بالطريقة التي تستهويه، حتى تتغير بوصلته، وتتبدل أولوياته، ويصبح السودان فجأة ملفًا مستحقًا للالتفات.
هذا التصريح العابر، الذي قد يبدو للبعض مجرد جملة سياسية، هو في الحقيقة مفتاح لفهم التحول العميق في موقف الرياض، وهو دليل إضافي على صدقية ما نشرته “رويترز” حول تعهد الأمير محمد بن سلمان للبرهان ببحث التدخل الإماراتي في السودان مع ترامب. لقد خرجت السعودية من حالة الحياد الرمادي، ودخلت علنًا إلى مربع الفعل، بعد أن تأكد لها أن بقاءها خارج المعادلة سيترك السودان مفتوحًا لنفوذ إقليمي لا يناسب حساباتها.
وليس خافيًا أن مصالح المملكة كانت المحرك الأقوى لهذا التحول. فالجيش السوداني قدم للرياض ما لم تجده لدى أي طرف آخر: ضمانات استراتيجية عميقة تتعلق بالأمن القومي السعودي، خصوصًا أمن البحر الأحمر، وتعهدات بألا يُمنح أي نفوذ بحري أو استخباراتي لقوة إقليمية دون رضى الرياض. أضيف إلى ذلك شعور سعودي بأن الخرطوم إذا سيطر عليها الدعم السريع ستنزلق أكثر فأكثر نحو حاضنة إماراتية تريد أن تبتلع المجال السوداني كاملًا، وهو أمرٌ لا ينسجم مع طموحات المملكة، ولا مع معادلة النفوذ في الإقليم.
في المقابل، يدرك ترامب أن المشهد السوداني فرصة جديدة لصفقة جديدة. فالرجل الذي يرى العالم بمنظار الربح والخسارة، لن يفوّت فرصة للمزايدة بين حليفتيه الخليجيتين: السعودية والإمارات. سيعرض على كل منهما ما يلائم مصالحها، وسيقدّم نفسه على أنه صانع السلام، والحاكم الخفي للمصير السوداني، ثم سيحوّل هذا السلام المحتمل إلى سلعة سياسية تُشترى وتُباع.
السؤال الذي يقفز إلى الواجهة هو: هل يملك ترامب القدرة، أو حتى الرغبة، في إلزام أبوظبي بوقف تدفق السلاح والمال إلى قوات الدعم السريع؟ أم أنه سيستخدم هذا الملف كسلاح تفاوضي، يزيد من خلاله منسوب الضغط هنا، ويرفع سقف الابتزاز هناك، ليمسك بكل الخيوط بين يديه؟ لا شيء عند ترامب مجاني، ولا مبادرة تُقدَّم دون مقابل، ولا أزمة تُقارب إلا بوصفها فرصة لعقد صفقة أكبر.
ومن المرجح أن يسعى ترامب لقيادة عملية سلام في السودان، سلامٍ لا يُشبه سلام السودانيين، بل سلامًا أمريكيًا مُعاد تدويره، يعطي لكل طرف بعضًا مما يريد: للسعودية ضمان مصالحها الحيوية، وللإمارات موضع قدم سياسي، ولواشنطن سلطة الإشراف على بلدٍ أنهكه الاقتتال، وأضعفته صراعات الوكلاء.
ومع أن السودانيين، بكل أطيافهم، يُجمعون على ضرورة إنهاء الحرب ووقف نزيف الدم، إلا أن الحذر من “سلام أمريكي الصنع” يبقى ضرورة وطنية لا يجوز التهاون فيها. فمنذ اتفاقية نيفاشا التي رعتها واشنطن وقادت إلى انفصال جنوب السودان واتفاقية الطائف التي خلقت دولة لبنانية مشلولة، أثبت التاريخ أن السلام الأمريكي غالبًا ما يولد ناقصًا، هشًا، مفخخًا، حاملاً في جوفه بذور حرب جديدة أو تقسيم وشيك.
إن السودان أكبر وأعمق من أن يُختصر في تفاوض بين أميرٍ صاحب مصالح ورئيسٍ لا يرى العالم إلا كدفتر حسابات. ومستقبل السودان أسمى من أن يكون سلعة في مزاد سياسي يُدار من خارج حدوده. لذلك، فإن مسؤولية القوى الوطنية اليوم أن تتعامل مع أي اتفاق مُقبل بوعيٍ كامل، وأن تدقق في تفاصيله، وأن تضمن أن يكون للسودانيين اليد العليا في صياغته، لا أن تُترك خيوطه لوسطاء يكتبون مستقبل البلاد بحبر مصالحهم.
السودان ليس ساحة مزايدة ولا ورقة ابتزاز، بل وطنٌ منهك يريد السلام، ولكن ليس أي سلام؛ يريد سلامًا يحفظ وحدته، وسيادته، وتاريخه، ولا يتركه لقمة سائغة في فم التجاذبات الإقليمية والدولية.
إن التاريخ لا يرحم الأمم التي تسلم حاضرها للآخرين. والسودانيون اليوم أمام منعطف مصيري: إما أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم، أو أن يُصنع لهم بطريقة لا تشبههم، ولا تشبه أحلامهم، ولا تشبه السودان الذي يستحقون.
