سودان تمورو:
ما حدث خلال الأيام الأخيرة يكشف بوضوح حجم الارتباك داخل مركز القرار في الخرطوم، وكيف أصبحت مواقف السودان تُصاغ كردود أفعال لا كرؤية استراتيجية. فقد جاءت تصريحات عبد الفتاح البرهان في القطينة—خطاب النار والحسم و”إمّا نحن أو المليشيا”—ليس قبل التحرّك الدولي، بل بعد دخول محمد بن سلمان على خط الأزمة وطلبه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخّل لإيقاف الحرب.
وهذه نقطة جوهرية:
البرهان كان قد قبل فعلياً بتحرك الرياض وواشنطن، ووجّه الشكر لهما علناً على منصة إكس، بل وأصدر مجلس السيادة بياناً يؤكد الاستعداد “للانخراط الجاد” في مسار السلام. هذه المواقف جاءت أولاً… ثم ظهر خطاب القطينة بعدها، وكأنه محاولة لتدارك الانطباع بأن القائد فقد زمام المبادرة.
هذا التباين يكشف معضلتين أساسيتين:
أولاً: البرهان يفقد احتكار القرار
التسلسل الزمني للأحداث يوضّح أن البرهان لا يتحرك وفق رؤية مستقلة، بل يتأرجح بين ضغوط المجتمع الدولي من جهة، وضغوط الحركة الإسلامية—وعلي كرتي تحديداً—من جهة أخرى.
حين تتقدم السعودية وأميركا بخطوة قوية، يرحّب.
وحين يشعر بأن الحاضنة الكيزانية غير راضية، يعود لخطاب الحرب.
هذه ليست قيادة… إنها إدارة أزمة عبر ردود أفعال متناقضة.
ثانياً: الكيزان يفرضون خطهم رغم قبول البرهان بالمبادرة
الحركة الإسلامية، التي أعلنت هي أيضاً “ترحيبها” بالمبادرة السعودية الأميركية، لم تكن صادقة في ذلك الترحيب. فهي تدرك أن أي مسار سلام حقيقي يعني خروجها من المشهد، ولذلك تعمل على إعادة تدوير خطاب التصعيد عبر واجهتها السياسية والعسكرية.
خطاب القطينة لا يعكس موقف الدولة، بل يعكس محاولة من البرهان لطمأنة الكيزان بأنه لم “يُبع” الحرب دولياً، رغم أنه فعلياً وافق على المبادرة وبارك تدخل ترامب.
ثالثاً: المواطن هو الخاسر الوحيد
بين قبول البرهان للمبادرة، ثم تصعيده اللاحق في القطينة، ثم عودة بيانات الترحيب بالسلام… يعيش السودان حالة ازدواجية قاتلة.
لا خطة واضحة.
لا رؤية متماسكة.
لا قيادة تقول للشعب الحقيقة.
بل صراع نفوذ داخلي تُستخدم فيه دماء السودانيين كورقة ضغط.
الخلاصة التحليلية
خطاب القطينة لم يكن موقفاً مبدئياً، بل محاولة ترميم صورة مهزوزة بعد أن ظهر البرهان وكأنه سلّم زمام المبادرة إلى الرياض وواشنطن.
الكيزان يضغطون للحرب.
العالم يدفع نحو السلام.
والبرهان يتأرجح بين الاثنين… بلا اتجاه ثابت.
والنتيجة:
السودان يُدار بردود أفعال متضاربة، بينما المواطن وحده من يدفع الثمن.
الراكوبة
