الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارجنرال سوداني: الدمج بشروط والكرامة لمن يُسرَّح

جنرال سوداني: الدمج بشروط والكرامة لمن يُسرَّح

سودان تمورو:

في خضم واحدة من أكثر الفترات التاريخية مأساوية في السودان، برزت شخصيات عسكرية حملت على عاتقها همّ الوطن ومأساة الحرب، وقدّمت أدوارًا تتجاوز الميدان إلى إعادة بناء الإنسان والمكان. من بين تلك الأسماء يطل اللواء يوسف النور يوسف، نائب رئيس الأركان بالتحالف السوداني ، ورئيس القطاع الأوسط ، ليحكي قصة نادرة تجمع بين صلابة المقاتل ووعي القائد وإخلاص الوطني.

من بين أتون الخرطوم الملتهبة إلى أزقة ود مدني التي رزحت تحت نيران المليشيات، يسرد يوسف تفاصيل معارك امتدت لأكثر من عامين، انتهت بتحرير المدن وإعادة الأمان، ليبدأ بعدها فصل جديد من الترميم والبناء على يديه. ما بين الرصاص والمستشفيات والمبادرات الإنسانية، رسم الرجل لوحة وطنية خالدة عنوانها “من الحرب إلى الحياة”.

حاوره :- تاج السر ود الخير

في هذا الحوار المطوّل الذي أجرته معه صحيفة التيار، يفتح اللواء يوسف أبواب الذاكرة، متحدثًا بتفاصيل دقيقة عن المعارك، الخسائر، الانتصارات، والجهود المدنية التي أعادت لود مدني ابتسامتها بعد عامين من الموت والفوضى.

كانت شمس ود مدني في ذلك اليوم كأنها تصبّ النار على الإسفلت، والمدينة تختنق بالزحام والألم حول مستشفى السرطان. لم يكن هناك مكان في الاستراحة المتهالكة، فاضطرت أمّ بسيطة لوضع طفلها المريض جوار الطريق العام، تظله بعباءتها، وتحاول تخفيف سخونة جسده المنهك من جرعة العلاج الكيماوي، تسكب الماء على رأسه الصغير لتبرد لهيب الحر، بينما عيونها تفيض بالدعاء والعجز.

اللواء يوسف النور يوسف

في تلك اللحظة، كان اللواء يوسف النور يوسف يسير على قدميه بعد أن انقطع وقود سيارته في الطريق أثناء جولة تفقدية للمدينة. جذب المشهد انتباهه فتوقف مبهوتًا أمام الصورة التي اخترقت قلبه كرصاصة — طفل يتلقى جرعته في العراء، على الإسفلت، تحت شمس الظهيرة، وأمه تتحدى القدر بزجاجة ماء ودمعة لا تنتهي.

اقترب منهما ببطء، ثم وقف صامتًا لحظة طويلة قبل أن يهمس بحرقة: “ما ممكن في بلدي الطفل ده يتعالج في الشارع.”

كانت تلك الجملة الشرارة الأولى لمشوار طويل من إعادة تأهيل المؤسسات الصحية في ود مدني. بدأ من ذلك المكان تحديدًا — مستشفى السرطان — الذي تحوّل من محطة ألم إلى منارة للأمل والعلاج.

البدايات والمشاركة في الحرب

تحدث اللواء يوسف عن مشاركته ضمن قوات التحالف السوداني منذ اندلاع الحرب في الخرطوم، مبينًا أنهم كانوا جزءًا من الموجهات العسكرية العليا ومساندين لزملائهم بالاستشارات والدعم المعنوي والميداني.

ويذكر أنه جهّز قوات كبيرة احتفظ بها في ولاية الجزيرة بانتظار نتائج معركة الخرطوم،لكن اندلاع الحرب لحِق بالولاية، فكان أول قائد يدخل مدينة ود مدني ضمن صفوف القوات المشتركة، حيث سلّم نفسه لقائد الفرقة الأولى مشاة اللواء أحمد الطيب.

معارك ود مدني وبداية المواجهة

استقبل اللواء يوسف في ود مدني من قبل جهاز الأمن والمخابرات بقيادة اللواء أمن عماد سيد أحمد، وتم تسليحه وتكليفه بقيادة العمليات المشتركة.

قاد يوسف 350 مقاتلاًفي معارك ضارية ضد المليشيات التي كانت تحاول اختراق المدينة من جهة النيل، فثبتت قواته المواقع الحيوية في كبري حنتوب، شارع النيل، واتجاه الكريبة.

اللواء يوسف النور يوسف مع والي ولاية الجزيرة

وفي اليومين الأولين حققوا انتصارات ميدانية بثّت روح الأمل في نفوس المواطنين، لكن في اليوم الثالث ظهرت تسللات للمليشيات من داخل المدينة مجددًا وسط النازحين، مما أدى إلى حصار مزدوج من الخارج والداخل، واضطرهم إلى القتال حتى الخامسة مساءً قبل تلقي أمر الانسحاب.

استشهد ستة عشر من حرسه الخاص،وأصيب وفُقد العشرات، قبل أن ينسحب بمن تبقى إلى منطقة مارنجان ومنها إلى سنار.

إعادة التنظيم وخوض معارك سنار والحدود

بعد إعادة تجميع القوات المنهكة في سنار، شارك اللواء يوسف في معارك متواصلة استمرت لأيام، بالتنسيق مع قوات جهاز الأمن والمخابرات.

ثم تمكن لاحقًا من إعادة بناء قوته عبر سلسلة تحركات واسعة ومن ثم قام بجلب 750 مقاتلاً من الدمازين، ثم 1500 من الدلنج، و250 من القضارف، ليكوّن معسكرًا متماسكًا في منطقة الموية.

ويصف اللواء يوسف تلك المرحلة بأنها “عام من النار”، واجه فيها المليشيات في معارك يومية شرسة، وسط نقص في الذخيرة والطعام والسلاح، لكنه يؤكد أن صبرهم كان نابعًا من الإيمان بعدالة قضيتهم ورغبتهم بالعودة إلى مدني.

المعارك الكبرى – من جبل موية إلى أم القرى

يشير اللواء يوسف إلى أن معارك سنار ثم جبل موية وسنجة والدندر والسوكي كانت حاسمة في كسر تمدد المليشيات نحو الجنوب.

ويؤكد أن التعاون مع الجيش الإثيوبي أتى بنتائجه في مناطق مايرنو والدندر،حيث تم دحر المليشيات نهائيًا من تلك الجبهة.

وفيما بعد، خاضت قوات التحالف بقيادته واحدة من أكبر المواجهات، معركة “كسر ظهر عبدالله حسين”، والتي استشهد فيها نحو 350 مقاتلاً من التحالف، لكنها مهدت الطريق لدخول أم القرى، وتثبيت السيطرة في مثلث الحاج عبدالله – الشبارقة – أم القرى.

الإصابة والاستمرار في القيادة

في إحدى المعارك أصيب اللواء يوسف برصاصة رايش نقل على إثرها إلى القضارف، لكنه عاد بعد فترة قصيرة لمتابعة العمليات ميدانيًا.

ورغم سوء ظروف الاتصال والتشويش،استطاع بمبادرة خاصة نشر 94 فردًا مجهزين بأجهزة اتصال لتأمين الربط الميداني طوال 12 يومًا.

وفي اللحظة الفاصلة،التقت قواته المتحركة من الشرق مع قوات الجيش عند كبري حنتوب، وكانت تلك اللحظة كما وصفها: “دموع انتصار وبسمة وطن بعد كآبة عامين من الفقد”.

بعد الحرب – من الميدان إلى إعمار ود مدني

بعد استعادة ود مدني، زار اللواء يوسف جامعة الجزيرة، ثم التقى رئيس مجلس السيادة برفقة قادة الأمن والجيش والشرطة، حيث أكد ولاءه الوطني قائلاً:

“السيد الرئيس علي الطلاق بالتلاتة لو ما بعرفك زول وطني ما بشيل معاك السلاح.”

رفع فورًا تقارير عن الشهداء الذين لم تكن لديهم أرقام عسكرية، وطالب بضمان حقوق أسرهم، وبدمج التشكيلات العسكرية كافة تحت لواء القوات المسلحة.

تمت الاستجابة لمطالبه،وباتت جميع القوات المشتركة تتبع رسميًا للجيش السوداني.

الإعمار الصحي والخدمي

من مشهد الطفل ذلك، اشتعلت همة اللواء يوسف لإعادة تأهيل المرافق الصحية في ود مدني بعد الحرب بجهده الشخصي دون ميزانية حكومية.

بدأ باستراحة الأطفال مرضي السرطان تداعي حيث أعاد تأهيل استراحة المرضى بالكامل ،ثم عنبر الجراحة للنساء والرجال، ومستشفى الأطفال (اللواء 20) الذي بلغت كلفته 316 مليار جنيه من التمويل الذاتي.

شملت أعماله أيضًا تأهيل حوادث العظام – الأشعة التشخيصية – مستشفى الجلدية – الصحة النفسية – ميز الأطباء والممرضات.

كما أشرف على إنارة الشوارع من موقف المواصلات(أمجاد) إلى السوق الصغير بحي المزاد.

بلغ عدد المستشفيات التي أعاد تأهيلها نحو ثمانية،إضافة إلى ثلاثة مساكن طبية، بمتوسط تكلفة لكل مؤسسة ما بين 80 و90 مليار جنيه، جميعها من ماله الخاص وجهده الميداني.

جهود إعادة الأمن والاستقرار

بعد انتهاء المعارك، انخرط اللواء يوسف في جهود إعادة الأمن والنظام العام داخل المدينة.

قاد بنفسه حملات لانتشال الجثث المنتشرة في الشوارع ودفنها بطريقة شرعية،كما أشرف على عمليات تمشيط شاملة أسفرت عن القبض على (258) متعاونًا مع المليشيات.

تعاون مع الخلية الأمنية المحلية لفرض النظام، وأطلق عليه الأهالي لقب “اللواء أبوسكين” بعد أن نجح في تنظيف شرق مدني من الجريمة.

كما عمل على إعادة فتح المدارس وتشجيع المواطنين على العودة،ووزع خمسة آلاف حقيبة وشنطة مدرسية، إضافة إلى توفير وجبات فطور يومية للطلاب.

المبادرات التعليمية والمجتمعية

لم يكتف القائد العسكري بالجانب الأمني، بل بادر إلى دعم التعليم عبر التكفل برسوم امتحانات طلاب مدرسة عمال مارنجان بالكامل، مما ساعد في استقرار العملية التعليمية.

كما أطلق حملات لمحاربة الجريمة والسرقة،مما ساهم في انخفاض معدلات الجريمة في المنطقة بشكل واضح.

رؤيته لمستقبل السودان بعد الحرب

دعا اللواء يوسف إلى أن يكون عام 2026 عام الابتسامة والفرحة، مؤكدًا أن النهضة الحقيقية لا تأتي إلا بإنهاء الحرب وتحقيق الأمن الكامل أولاً.

وشدد على أهمية تحول القيادات التنفيذية والإدارية إلى العمل التنموي والإنتاجي.

واقترح وضع خطط استراتيجية على مستوى وزارات الشؤون الاجتماعية،الصحة، الزراعة، والإعلام، تركز على التنمية البشرية، تشغيل العمالة، وتحفيز المشروعات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة.

وأكد أن البناء الاجتماعي والاقتصادي يجب أن يكون أهم من أي حسابات سياسية أو حزبية.

موقفه من الدمج وإنهاء ظاهرة المليشيات

عبّر اللواء يوسف عن موقفه الثابت بضرورة دمج جميع القوات داخل المؤسسة العسكرية الرسمية، قائلاً إن من يصلح للخدمة يبقى، ومن لا يصلح يُسرّح بكرامة.

وأضاف:

“إذا سعيت لمنح ضباطي امتيازات أو قطع سكنية فسأفتح بابًا للفوضى في الولاية،وأنا لن أكون سببًا في خلق مشكلة. الوطنية تعني العدالة والانضباط.”

الخاتمة: من رماد الحرب إلى نهضة الوطن

وهكذا، من دمعة أم وفقْد وقود، اشتعل وقود الإنسانية — لتولد من قلب الطريق قصة أمل، صناعة حياة جديدة في مدينة أنهكها الوجع.

تختصر تجربة اللواء د. يوسف النور يوسف ملامح مرحلة مفصلية في التاريخ السوداني الحديث، جمعت بين السلاح والإعمار، وبين الانتصار العسكري والعمل الإنساني.

فمن ساحات القتال في الخرطوم وسنار والدندر إلى مستشفيات ود مدني التي أعاد الحياة إليها بيده،تجسدت في مسيرته معاني الولاء الوطني، والمسؤولية الأخلاقية، والإرادة التي لا تنكسر.

والخلاصة أن اللواء يوسف لم يكن مجرّد ضابط مقاتل يقود كتيبة، بل نموذج لضابطٍ تبنّى رؤية إنسانية شاملة تربط بين الأمن والتنمية، وتعيد “الابتسامة” إلى وجه الوطن من جديد.

“من ميادين الحرب خرج يوسف والنصر في جبينه، ليحمل على كتفيه عبء إعادة الحياة إلى قلب الجزيرة، مؤمنًا أن معركة البناء لا تقل قداسة عن معركة البندقية.”

التيار

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات