الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةعلوم و تقنيةحرب الشرائح: صراع الهيمنة الذي يعيد تشكيل العالم

حرب الشرائح: صراع الهيمنة الذي يعيد تشكيل العالم

سودان تمورو:

لم تعد المواجهات الكبرى في القرن الحادي والعشرين تُخاض في ميادين القتال أو على حقول النفط، بل داخل دوائر متناهية الصغر لا تُرى بالعين المجرّدة: شرائح السليكون التي تُحرّك الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأنظمة التجسّس، وصولاً إلى أبسط الأجهزة المنزلية. هذه المكوّنات، التي اعتدنا التعامل معها بوصفها عنصراً تقنياً محايداً، تحوّلت إلى أداة صراع على شكل العالم المقبل، حتى بات بعض العاملين في قطاع التكنولوجيا يختصر الواقع بجملة واحدة: من يسيطر على الشرائح… يسيطر على العالم.
بدأت شرارة المواجهة بين الولايات المتحدة والصين عام 2018 خلافاً تجارياً اعتيادياً: رسوم جمركية، واتهامات بسرقة الملكية الفكرية، وحديث عن ممارسات غير عادلة. لكن ما بدا حينها نزاعاً اقتصادياً عابراً تحوّل بسرعة إلى حرب تكنولوجية مكتملة الأركان. واشنطن ترى في الصعود التكنولوجي الصيني تهديداً مباشراً لهيمنتها، فيما تعتبر بكين أنّ القيود والعقوبات الأميركية ليست إلا محاولة جديدة لإبقائها في موقع التابع وإعادة إنتاج “قرن الإذلال” (من عام 1839 إلى 1949، حين عانت الصين تدخلات عسكرية وسياسية واقتصادية من قبل قوى أجنبية) بطرق رقمية. وفي قلب هذا الاشتباك الصاعد برزت تايوان، الجزيرة الصغيرة التي تنتج أكثر من 90 % من الشرائح المتقدمة في العالم، التي تحوّلت فجأة إلى نقطة التقاء بين الحرب الباردة الجديدة ومسارات التاريخ. فالولايات المتحدة ترى فيها ضمانة لتفوّقها التكنولوجي، بينما تنظر إليها الصين باعتبارها المفتاح لاستعادة وحدة وطنية طال انتظارها وكسر القبضة الأميركية على منظومة التكنولوجيا العالمية.
تعقيد المشهد لا يقتصر على المنافسة الأميركية ــ الصينية. فصناعة الشرائح ذاتها تقوم على سلسلة إنتاج لا تستطيع دولة واحدة التحكّم فيها بالكامل: تصميم وبرمجيات أميركية، تصنيع متقدّم في تايوان وكوريا الجنوبية، آلات طباعة ضوئية لا يمكن الاستغناء عنها تصنعها هولندا، مواد متخصّصة تنتجها اليابان. الصين، رغم استثماراتها الهائلة، ما تزال عاجزة عن اللحاق بالقمة، إذ يمكنها تصميم شرائح لكنها تعتمد في تصنيعها على أدوات ومصانع وتقنيات يسيطر عليها الغرب. أي خلل في مصنع واحد في تايوان أو أي قرار أميركي بتقييد التصدير يمكن أن يشلّ صناعات تمتد من السيارات إلى الطائرات ومن الهواتف إلى أنظمة التسلّح.
لهذا انتقلت واشنطن من التعامل مع الشرائح بوصفها سلعة تجارية إلى اعتبارها سلاحاً استراتيجياً. الحظر على هواتف وأجهزة هواوي، ثم وضع شركات صينية على القوائم السوداء، بعدها الضغط على هولندا لمنع بيع آلات الطباعة المتقدّمة لبكين، وإعادة بناء مصانع داخل الأراضي الأميركية، كلها أدوات لمعركة طويلة لا تُدار عبر الدبلوماسية وإنما عبر المختبرات وسلاسل الإمداد.
قانون “الرقائق والعلوم” الذي ضخ أكثر من 50 مليار دولار عام 2022 يؤكد أن السيليكون صار جزءاً من الأمن القومي الأميركي، وليس مجرد صناعة مربحة. ومن جهة أخرى، نجحت واشنطن في استقطاب حلفائها إلى ما يشبه “تحالف السيليكون”، حيث تحوّلت شركات مثل TSMC إلى لاعب جيوسياسي بمجرد اتخاذ قرار ببناء مصنع في أريزونا.
على الجانب المقابل، تضخ الصين مئات المليارات في خطط مثل “صُنع في الصين 2025″، وتبني مصانع جديدة، وتستقطب مهندسين من كل أنحاء العالم، في محاولة لكسر الاعتماد على الغرب، لكنها ما تزال عالقة في ما يسميه الواقعيون “فخّ الاعتماد التكنولوجي”، إذ تملك القدرة على التصميم، لكنها تفتقر إلى الأدوات الجوهرية التي تتيح لها تصنيع الشرائح المتقدمة. أما ما يخص الصين، فهذه المعركة ليست اقتصادية فقط، بل مسألة سيادة وطنية. ولواشنطن، السماح للصين بالوصول إلى التكافؤ يعني التنازل عن القيادة العالمية، وهو سيناريو لا يبدو مقبولاً لأي من الطرفين، ما يجعل الصراع حلقة مغلقة من التصعيد الدائم.
ومع اتساع رقعة المواجهة، بدأت خريطة العالم التكنولوجية تنقسم إلى معسكرين: منظومة يقودها الغرب، وأخرى تسعى الصين لبنائها، فيما تجد دول مثل كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي نفسها أمام خيارات صعبة بين التحالفات السياسية والمصالح الاقتصادية. أما الدول النامية، فستجد نفسها مضطرة إلى الانحياز إلى أحد الطرفين رغم أنها لم تكن طرفاً في هذا النزاع أصلاً. في هذا الانقسام، تبدو صناعة الشرائح نقطة اختناق خطرة في الاقتصاد العالمي، فعدد مواقع الإنتاج المتقدّمة محدود إلى درجة تجعل أي اضطراب فيها أشبه بزلزال يعصف بسلاسل التوريد الدولية.
العربي الجديد
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات