الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةإقتصادالمقايضة بديل النقود في السودان ..منزل مقابل دقيق وزيت مقابل أجرة..فأس مقابل...

المقايضة بديل النقود في السودان ..منزل مقابل دقيق وزيت مقابل أجرة..فأس مقابل ذرة

سودان تمورو:

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في السودان وغياب السيولة النقدية، باتت الحياة اليومية تعتمد على أبسط أشكال التداول المالي، حيث تحولت المقايضة والدَّين إلى الوسيلة الأساسية لتأمين الاحتياجات. انهيار النظام المصرفي خلال عامين من الحرب أجبر السكان على العودة إلى طرق بدائية في التعاملات، في وقت تحاصر فيه قوات الدعم السريع مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان منذ أبريل/نيسان 2023. ويقول علي، وهو موظف حكومي من المدينة، إنه لم يحمل أي نقود ورقية منذ أكثر من تسعة أشهر، مؤكداً أن المقايضة أصبحت الحل الوحيد لتأمين الغذاء والوقود.
عملة بديلة
في مدن عديدة، تحولت الملابس والأدوات المنزلية إلى عملة تُستبدل مقابل كميات من الدقيق أو الأرز أو بضعة لترات من الوقود للمولدات والسيارات. ويروي علي أنه اضطر في إحدى المرات إلى مبادلة فأس وكرسي بثلاثة أكياس من الذرة الرفيعة، وهي سلعة غذائية رئيسية في مناطق واسعة من أفريقيا. ومع انقطاع الاتصالات وانعدام النقود، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين للعودة إلى المقايضة المباشرة لتأمين احتياجاتهم اليومية.
خدمات يومية
يوضح الصادق عيسى، وهو متطوع محلي تحدث لوكالة فرانس برس، أن سائقي التوك توك والدراجات النارية أصبحوا يتقاضون الزيت والصابون بدلًا من النقود مقابل الأجرة، بينما تقدم عائلات أخرى الذرة والدقيق والسكر للحصول على خدمات مثل صيانة السيارات. هذا التحول يعكس انهيار النظام النقدي وتراجع الثقة في المؤسسات المالية، ما جعل المقايضة وسيلة أساسية لتسيير الحياة اليومية.
انهيار اقتصادي
اندلاع الحرب في الخرطوم أدى إلى احتراق مبنى البنك المركزي المرتبط بشبكة “سويفت” العالمية، قبل أن تسيطر عليه قوات الدعم السريع لما يقارب عامين. ومع إغلاق البنوك أو نهبها وتفريغ الخزائن، انهار الاقتصاد بسرعة. اليورو الذي كان يعادل 450 جنيهاً سودانياً قبل الحرب، أصبح يسجل 3500 جنيه في السوق السوداء، ما يعكس حجم الانهيار المالي الذي ضرب البلاد.
تحولات موقوفة
قبل الحرب، كان السودان على مشارف تحول اقتصادي كبير بعد رفع العقوبات الدولية المفروضة عليه منذ عام 1997. بدأت المعاملات الرقمية، خصوصاً عبر تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم، تنتشر في المدن، رغم أن 15 في المئة فقط من السكان كانوا يملكون حسابات مصرفية وفق البنك الدولي. ويقول ويليام كوك، الخبير في “سيجاب”، إن النظام المالي كان يستعد لانتقال كبير نحو نموذج أكثر انفتاحاً، مشابه لما حدث في كينيا وتنزانيا وغانا، لكن الحرب أوقفت هذا التطور بشكل كامل.
أزمة إنسانية
خلف الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع عشرات الآلاف من القتلى وقرابة 12 مليون نازح، فيما تصف الأمم المتحدة الوضع بأنه أسوأ أزمة جوع ونزوح في العالم. وفي العديد من المناطق، خاصة الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، انهار الأمن كلياً وانتشرت عمليات النهب والابتزاز. ويقول دفع الله إبراهيم، صاحب بقالة في أم درمان التي استعادها الجيش، إن مجرد امتلاك نقود ورقية قد يعرض صاحبها للخطر، ما جعل الناس أكثر اعتماداً على المقايضة أو التعاملات غير النقدية.
دور بنكك
رغم الانهيار، يبقى تطبيق “بنكك” شريان حياة في المناطق التي تتوفر فيها الاتصالات، إذ يسمح للناس بتلقي الرواتب والمساعدات وتحويل الأموال من الخارج. لكن في مناطق أخرى معزولة مثل كادوقلي، اضطر السكان إلى إيجاد طرق بديلة للتعامل. ويشرح التاجر عبد الرحمن أنه اعتمد على نظام ثقة بسيط، حيث يمنح عملاءه بضاعة بالدَّين ويقول لهم: “سددوا حين يعود بنكك للعمل”، مسجلاً ديونهم في دفتر خاص.
اتصالات بديلة
مع انهيار الشبكات المحلية، انتشرت أجهزة “ستارلينك” المُهرّبة التي تُؤجر بالساعات، وكثير منها كان مملوكاً لمقاتلي الدعم السريع. وقد أصدر الجيش في ديسمبر 2024 قراراً بحظر بيعها واستخدامها. ويؤكد موظف حكومي آخر، يوسف أحمد، أنه عندما سيطرت قوات الدعم السريع على الخرطوم، كانت تفرض عمولة تصل إلى 25 في المئة مقابل توفير السيولة مقابل التحويلات الرقمية، ما زاد من معاناة السكان.
قيود مصرفية
المعاملات الإلكترونية تحتاج إلى حساب بنكي وجواز سفر وهاتف، وهي أمور لا تتوفر لعدد كبير من السكان، خصوصاً في المناطق الريفية. لذلك يلجأ كثيرون إلى الأقارب أو الجيران لاستلام التحويلات نيابةً عنهم، وهو حل يعتمد على الثقة دون ضمانات. وقد سمح بنك الخرطوم حديثاً بفتح حسابات عن بُعد وقبول هويات منتهية الصلاحية للتخفيف من الأزمة، في محاولة لتوسيع نطاق الخدمات المالية.
انقسام مالي
في المقابل، بدأت السلطات الموالية للجيش بطباعة أوراق نقدية جديدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما أدى إلى مزيد من الانقسام المالي. وهكذا بات السودان فعلياً مقسماً إلى منطقتين: واحدة تحت حكم الجيش في الشمال والشرق والوسط، وأخرى تحت سيطرة قوات الدعم السريع في الغرب والجنوب، في انعكاس مباشر لتشظي الدولة ومؤسساتها المالية.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات