سودان تمورو:
جاء في مقال رشان أوشي توصيف بالغ النفاذ للحظة السودانية الراهنة لحظة يتداخل فيها الدخان بالغبار وتتعانق فيها حسابات القوى الدولية مع مسارات الدم في شوارع المدن المنهكة. قالت أوشي إن السودان غدا ساحة تُختبر فيها توازنات النفوذ وإن التدخل الخارجي لا يسعى إلى إطفاء النار بل إلى ضبط اتجاه لهيبها. ومن هذا المدخل يمكن قراءة الطريقة التي يتقدم بها دونالد ترامب نحو المشهد السوداني ليس بصفته رجلاً يبحث عن تسوية بل باعتباره مقاول صفقات يرى في الخراب فرصة وفي الحرب مادة خاماً لتشييد نفوذ جديد.
ترامب كما خبرته السياسة العالمية لا يمنح اهتمامه لأي ملف ما لم يلمح فيه عائداً صافياً. والسودان اليوم – بلدٌ تتهدده الانقسامات ويقع في قلب محيط خليجي مضطرب وتجاوره ساحات نفوذ دولي مفتوحة – يقدّم بيئة مثالية لمنطق “الصفقة الكبرى” الذي حكم عقل ترامب منذ صعوده الأول. فكما بذل محمد بن سلمان الغالي والنفيس ليشرح لترامب موقع السودان في الأمن الإقليمي السعودي وعمق الاستثمار السعودي في أرضه وموانئه ومياهه فإن محمد بن زايد يتحرك بالمنطق ذاته.. الدفع مقدماً لضمان مقعد متقدم في أي تسوية تصنعها واشنطن غداً.
وهكذا تتشكّل المعادلة.. حليفان خليجيان يتنافسان في تقديم “المعلوم السياسي” لترامب ورئيس أمريكي يرى في هذه المنافسة باباً واسعاً لزيادة المكاسب. ولن يطول الوقت قبل أن يجمع الرجل الطرفين على طاولة واحدة يعِد كلًّا منهما بحفظ نفوذه ثم يخرج بورقة صُمّمت لتسوية خلافاتهما لكنها تُفرَض على السودان كإلزام لا مفر منه. سيحمل ترامب تلك الورقة إلى السودانيين يطالبهم بالتوقيع ويلوح – كما فعل سابقاً مع حماس – بالويل والثبور إن لم يلتزموا ببنودها. وذلك هو ما تسميه واشنطن “عملية سلام”.
لكن هذا النموذج ليس استثناءً؛ بحسب أوشي هو امتداد طويل لمسار كشفه روبرت دريفوس في كتابه “لعبة الشيطان”: إدارة للفوضى لا بهدف إنهائها بل بهدف استثمارها؛ دعمٌ لأطراف محلية وإقليمية لإطالة أمد الصراع؛ ثم عودة لاحقة في دور الوسيط المنتصر الذي يحصد الثمار. وما يجري في السودان اليوم ليس سوى إعادة بثّ لهذه المعادلة القديمة بوسائل جديدة.
وهنا تُطرح الأسئلة الأكثر إلحاحاً.. أي سلام يمكن أن يصنعه رجلٌ تتراكم حوله الأزمات؟ كيف ينتظر السودانيون من ترامب أن يجلب الاستقرار وهو نفسه ممعن في إشعال حرائق السياسة العالمية؟ من أوكرانيا إلى فنزويلا ونيجيريا يطل ترامب بخطابه المتوتر مهدداً متوعداً مستثمراً في الفوضى. فكيف يمكن لرجل يمارس الضغط كمنهج والابتزاز كأداة والصفقات كبديل عن السياسة أن يكون وسيطاً للسلام في السودان؟.
وفي عمق هذه المفارقة تتجلى أكبر خدع “نظرية السلام الديمقراطي” الأميركية التي تبرر بها حروبها وتدخلاتها والتي تزعم أن نشر الديمقراطية يبرر التدخلات والضغوط. فلو كانت هذه النظرية صادقة لكانت العلاقة بين واشنطن وحلفائها مرآة لها. لكن ترامب يتودد لقيادات لم تعرف بلدانها صناديق الاقتراع يوماً ويتحالف مع دول يحكمها رجالٌ لا تمثل الديمقراطية في تاريخهم السياسي حرفاً واحداً. ومع ذلك تُصنّف هذه الدول بقدرة واشنطن وخطابها الإعلامي كحلفاء للنظام الدولي الديمقراطي.
وليس بعيداً عن السودان تتجلى نتائج “السلام الأمريكي”.. لبنان خرج من حربه الأهلية باتفاق رعته واشنطن ثم غرق لاحقاً في أزمات مالية وسيادية أطاحت بعموده الفقري. والعراق الذي يمتلك ثروة نفطية يمكنها إعادة بناء المنطقة كلها يعيش حتى اليوم على وقع أزمات الكهرباء وتبعية اقتصادية خانقة وتدفقات نقد تتحكم واشنطن فيها بشروط قاسية تُصرف أموال البلاد حيث لا يستفيد المواطن ولا يترسخ الاستقرار.
هذه النماذج ليست تحذيرات نظرية بل خرائط مستقبل محتمل يُراد أن يُسقط على السودان. فالتسويات المفروضة لا تبني دولة والحلول المستوردة لا تصنع سيادة والاتفاقيات التي تهبط بالمظلة لا تملك القدرة على الصمود أمام أول هزّة شعبية أو أول خلاف داخلي.
نحن مع وقف الحرب اليوم قبل الغد. مع كل مبادرة توقف النزيف وتحمي المدنيين وتفتح باب العودة إلى البيوت والمزارع والأسواق. لكننا في الوقت ذاته نرفض أن يكون السلام بوابة جديدة للخضوع. نرفض سلاماً يختزل السودان في ورقة مساومة بين واشنطن والرياض وأبوظبي. نرفض أن يُختزل مصير الملايين في بنود صُمّمت وفق حسابات غير سودانية وتُلزم السودانيين بما لم يصنعوه.
فالسودان ليس رقعة صامتة على رقعة الشطرنج الدولية. هو بلدٌ جبّار الإرادة خبر الحروب وعرف كيف يطفئها وأسقط الأنظمة وعرف كيف يبني غيرها وواجه الأزمات وأدرك أن الحلول الحقيقية لا تأتي من غرف مغلقة في واشنطن ولا من صفقات يعقدها رجل أعمال في البيت الأبيض.
قد يظن البعض أنهم قادرون على “هندسة العاصفة” لكن التاريخ السوداني علّم الجميع أن الرياح هنا تتبع اتجاه الشعب لا اتجاه من يخططون لها على الخرائط البعيدة.
